مختصر تفسير الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض "في رحاب القرآن" - سور الكهف ومريم وطه والأنبياء الناصر بن محمد المرموري

مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري

الجزء ١ · صفحة ٢٨٠

إِذْ تَمْشِي أُختُكَ فَتَقُولُ هَلَ اَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَّكفُلُهُ}

ذلك أنه لما ذهب التابوت في البحر، أصبح فؤاد أم موسى فارغًا إن كادت لتُبدي به لولا أن ربط الله على قلبها؛ لتكون من المؤمنين بوعد الله، وقد وعدها أنه سيرجع إليها، فأرسلت أخته تقص أثره وتتحسس خبره، فذهبت أخت موسى تتحسس في لطف ولا تشعر أحدًا بما في نفسها، وهو ما تدل عليه الكلمة: ﴿فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون﴾ (القصص:11)، لقد كانت أخت موسى شاهدة حيث امتنع الصبي عن امتصاص أي ثدي من مئات المراضع اللاتي أقبلن عليه يشغف، وقد ألقى الله عليه محبة منه في قلوبهن، وكل واحدة حريصة أن يقبل منها لتفوز بحباء الملك وهداياه، امتنع الصبي؛ لأن الله حرم عليه المراضع، والتحريم هنا قدري لا شرعي، فلما أعياهم أمره وخافوا عليه منه الهلاك عرضت عليهم أخته الأمر، وهو أن امرأة في بيتها لها لبن في ثديها فإن شئتم رفعت إليها الصبي لعله يقبل منها فتكلفه لكم، وهي ناصحة في إرضاعه وحضانته لا تألوا في ذلك جهدًا، فوافقوا على ذلك فذهبت به، فما إن عرضت عليه ثديها حتى التقمه وامتص لبنه، فتحقق وعد الله وقرَّت عين أمه برجوع ابنها إليها وازدادت إيمانًا بوعد الله.

﴿فَرَجَعنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَي تَقَرَّ عَينُهَا وَلاَ تَحزَنَ﴾

ولبثت عامين كاملين ترضع ابنها، وتأخذ على إرضاعه وحضانته أجرًا، فلما استوفى رضاعه، ردَّته إلى بيت فرعون، حيث استقبلت بالهدايا والصلات الوافرة، وتربى موسى وترعرع في قصر فرعون معززًا مكرمًا، والقدر يضحك على فرعون الذي ظل يربِّي عدوه في حجره وينفق عليه، هذا الذي قتلت الآلاف من أجله، تربيه في بيتك، ويتقلب في حجرك وحجر امرأتك مطمئنًا مدلَّلا فسبحان من إذا أراد شيئًا هيأ له الأسباب، ولا يكون في ملكه إلاَّ ما يريد، ثم قال ـ تعالى ـ:

﴿وَقَتَلتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الغَمِّ﴾

٢٨٠ / ٤٥٣