مختصر تفسير الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض "في رحاب القرآن" - سور الكهف ومريم وطه والأنبياء الناصر بن محمد المرموري

مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري

الجزء ١ · صفحة ٢٨١

ذلك أن رجلين اقتتلا، أحدهم قِبطيٌّ والآخر من بني إسرائيل، فاستغاث الأخير بموسى على عدوه، فوكزه موسى فقضى عليه وما كان يريد قتله فاغتمَّ موسى غمًا شديدًا؛ لِما يلحقه من الإثم بقتل النفس، ولِمَا سيلحقه من العقوبة من فرعون، فنجاه الله من الغمِّ الأول، بأن غفر له ذنبه، ومن الغم الثاني بأن يسر له سبيل الهجرة والفرار قبل أن يلقى عليه القبض فنجا من القوم الظالمين.

﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾

قال الله ـ تعالى ـ لموسى: ﴿وَفَتَنَّاكَ﴾ وابتليناك وامتحناك امتحانًا، وأي فتنة هذه؟ ذلك أنه خرج من وطنه فريدًا طريدًا فارًّا بنفسه، تاركًا أبويه وذويه، لا يدري ما يستقبله من محن وأتعاب، وهذا الخروج تحوُّل كبير في حياة هذا الشاب الذي تربى في النعيم في قصر ملك، ثم انتقل من القصر إلى البادية، ثم إلى رعي الغنم سنوات وسنوات طويلة، وشتان ما بين الحياتين، إنه هو الفتون حقًّا، وأراد الله به ذلك؛ ليتكَوَّن نفسيًّا وبدنيًّا وخلقيًّا فلا بدَّ له من رعي الغنم قبل رعي البشر؛ ليتعلم من رعي البهم كيف يرعى ويسوس الناس من قومه، ويظل حريصًا عليهم رؤوفًا بهم يرعى ضعفاءهم ويلاطف أقوياءهم، ويربيهم ويصبر على أذاهم ويعُرض عن سفهائهم، وما من نبي يبعثه الله إلاَّ ويكون قبل بعثته راعيًا، كذلك كان نبينا مُحَمَّد ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ يرعى غنمًا بمكة على قراريط يقتات بها، ويُعين بها كافله "أبا طالب" عمه، وكان كثير العيال، كذلك تعرض موسى لفتون الله وأرد الله به ذلك لتكمل صناعته على عين الله حتى ينشأ نشأة قوية، تؤهله لمسؤوليته الضخمة.

﴿فَلَبِثتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئتَ عَلَى قَدَرٍ يَّا مُوسَى وَاصْطَنَعتُكَ لِنَفْسِيَ﴾

٢٨١ / ٤٥٣