مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٢٨٢فلبثت سنين في أهل مدين، قيل إن موسى فر من مصر وهو ابن اثنتي عشرة سنة، ولبث في مدين ثمان وعشرين سنة ثم عاد إلى وطنه على رأس أربعين سنة ليتلقى رسالة الله وهو السن الذي ينبأ فيه الأنبياء، وكل هذا وموسى لا يدري ما يراد به ولا ما يراد له، ثم بعد هذه المدة جاء إلى جانب الطور على قدر من الله قدر زمانه ومكانه، وما كان مجيئه إلاَّ تيسيرًا من الله؛ ليبلغ مكان الموعد في الوقت المحدد.
﴿ثُمَّ جِئتَ عَلَى قَدَرٍ يَّا مُوسَى وَاصْطَنَعتُكَ لِنَفْسِيَ﴾
وهنا خاطبه الله بذكر اسمه للمرة الخامسة في هذا الموقف في الوادي المقدس، كل ذلك إيناسًا لموسى، ولا يعلم إلاَّ الله ما بداخل قلب موسى من الأنس بربه حين يسمع النداء باسمه، وهنا يبلغ الأنس والشرف ذروته حين يسمع كلام الحق جل جلاله.
﴿وَاصْطَنَعتُكَ لِنَفْسِيَ﴾
أي تخصيص؟!، وأي إكرام؟!، وأي تقريب تحمله هذه العبارة؟! وأي موقع يكون لها في قلب هذا العبد الذي يناجيه مولاه ويبوح له أنه اصطنعه لنفسه؟!، كلمة تحمل التقريب والتخصيص والاصطفائية، إنه مقام كريم ومنزلة مباركة ينزلها موسى من ربه وهو خير المنزلين، يقول له ربه: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِيَ﴾ لنفسي خاصة، لا لنفسك، ولا لأهلك، ولا لأحد آخر، لا حظَّ لغيري فيك، فلتكن في خدمتي وطاعتي وتبليغ رسالتي وأنا أعصمك من الناس، وأجعل لك ولأخيك سلطانًا فلا يصل إليك أعدائي بسوء ﴿أنتما ومن اتبعكما الغالبون﴾ (القصص:35)، ومن كان صنيعة الله فلا يخيب ولا يخزى ولا يقهر ولا يغلب، فما عليه إلاَّ أن يتَلَقَّى أمر الله ويسعى في تبليغه والله معه وناصره.
{