مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٢٨٧ألهم الله موسى فأجاب فرعون بجواب سديد مقنع، فعرّف ربه تعريفًا بينًا بوصفين يعجز عنهما فرعون وغير فرعون، عرَّف ربه بالخلق والهداية، وهما وصفان خاصان بالله ـ تبارك وتعالى ـ، ﴿قَالَ رَبُّنَا الذِي أَعطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾، ربنا الذي خلق كل شيء على هيئة خاصة سواها تسوية، ثم هدى كل مخلوق إلى القيام بمهمته التي خلقه الله من أجلها أحسن قيام، وفي هذا باب واسع من العلم لمن أراد أن يطلع على حكمة الله ورحمته بمخلوقاته، ما من شيء خلقه الله إلاَّ ومكَّنه بما مكَّنَه به من الإلهام الذي يؤدي به وظيفته التي خلق من أجلها، وألهم الحيوانات أن تبني بيوتها وأوكارها وأعشاشها، وأن تربِّي صغارها وأن تجمع أقواتها، وسلَّحها بالأسلحة التي تدافع بها عن نفسها، والآية أعم من الحيوانات دقيقها وجليلها، بل تعُمُّ كل ذرة، وكل مخلوق في الأكوان علويها وسفليها، مما نبصر وما لا نبصر، وتنطبق أيضًا على جوارحنا وأعصابنا وعروقنا، كل مخلوق على الهيئة التي تصلح به، وألهمه أن يؤدي وظيفته أداء دائبًا مستمرًا إلى أجله المضروب، وجاءت: "ثم" هنا، لا للمهلة فليس ثمة مهلة بين خلق الأشياء وهدايتها، وإنما هي لإلفاتنا إلى حكمة الهداية، بعد الخلق ورحمة الله بخلقه وإتقانه لصنعه، فكم يمكننا أن نحصي مخلوقات الله في هذا الكون الواسع؟ ومن ذا الذي يحصي وظائف المخلوقات كلها ﴿وما أوتيتم من العلم إلاَّ قليلاً﴾ (الإسراء:85).