مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٢٨٨وفي غير موضع من القرآن الكريم نجد الخلق مقرونًا بالهداية، هنا في محاورة موسى لفرعون، وفي محاورة إبراهيم ـ عليه السلام ـ لقومه: ﴿الذي خلقني فهو يهدين﴾ (الشعراء:78)، وفي سُورَة ﴿سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى﴾ (الأعلى:01-03)، وهذا النمط من الهداية نجده في سُورَة النحل ﴿وأوحى ربنا إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتًا ومن الشجر ومما يعرشون ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذُلُلاً﴾ (النحل:68-69) وكذلك ألهم الله النمل والجراد والطيور والحيتان والدواب، وكل شيء خلقه الله ﴿وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلاَّ أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون﴾ (الأنعام:38)، وتتسع هذه الهداية لجميع المخلوقات حتى الذرات من الجماد والسحب والأمطار والنبات، كل يسير في خطة معينة مرسومة، والنجوم والكواكب تسبح في أفلاكها في نظام دقيق، وكان فرعون يستمع لموسى وهو يحاوره ولم يرد عليه؛ لأنه يعلم في قرارة نفسه أن هذا الكلام حق، وإنما ذهب في مرائه مذهبًا آخر، فسأل عن القرون الماضية: أعلى هُدىً هي أم في ضلال؟
﴿قَالَ فَمَا بَالُ القُرُونِ الاُولَى قَالَ عِلمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾
قال فرعون لموسى فما بال القرون الأولى؟، أي الأجيال الماضية، سأل هذا السؤال، وكأنه تأثر بكلام موسى، وأحس في نفسه بنوع من التذكر، ومهما بلغ أحد من الطغيان فإنه لا بدَّ تمر به لحظات يتجلى نور الحق في ضميره، وتقوم به عليه الحجة، ولكن سرعان ما تطغى الشهوات والأهواء فينكص على رأسه، ونعوذ بالله من غلبة الأهواء وطغيان الشهوات.