مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٢٨٩ويقول بعض المفسرين: إن فرعون سأل عن القرون الأولى مداورة منه ومناورة لينقل الحوار إلى موضوع آخر، حتى لا يظهر عن عجزه؛ لأن الحجة لزمته، وخشي أن يطلع الناس عن عجزه، وقد كان ينبغي له الإنصاف والتسليم بالحق لولا الكبر، فانتقل إلى السؤال عن القرون الأولى، وما له والقرون الأولى، وما هو عنها بمسؤول، فوفق الله موسى إلى الجواب السديد.
﴿قَالَ عِلمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾
ألهم الله عبده موسى ـ عليه السلام ـ هذا الجواب الحكيم القاطع، وهذا من الله تعليمٌ لنا وتلقين؛ لنتعلم كيف نجيب أمثال فرعون المتنطعين الذِّينَ إذا دعوتَهم إلى الحق بالبرهان والحجة يقولون: وما بال آبائنا وأجدادنا؟ لقد كانوا إذن على ضلال، وهذا هروب من الإنصاف عن الحق، ومالنا ولآبائنا الأولين، إنهم كانوا مهتدين وحِدْنا عن هداهم، فلن ينفعنا هداهم شيئًا، إن نحن تنكَّبنا طريقهم واتبعنا سبل الضلال، وإن كانوا ضالين فاهتدينا فلن يضرنا ضلالهم شيئًا، إنما أمرهم وأمرنا كما قال الله: ﴿تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون﴾ (البقرة:141).
﴿قَالَ عِلمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾
قال علم تلك القرون عند ربي، أي: لا عندك ولا عند أربابك الذِّينَ تعبدهم من دون الله، علم تلك القرون والطرق التي سلكها من أطاع منهم ومن عصى، وجزاء الفريقين عند ربي في كتاب مدون مضبوط، لا يضل ربي ولا ينسى.