مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٢٩٣لجأ عدوُّ الله إلى الجدال وازداد بالحق ضلالا، ونظر إلى آيات الله البينات فقال إنها سحر، وكذلك من طمس الله بصيرته بحب الدنيا والتشبث بالعُلُوِّ فيها، قال لموسى: أجئتنا بهذا الأمر لتخرجنا من أرضنا بسحرك، وهذا إغراء منه لقومه على الدفاع عن أرضهم، وإنما كفرُهم بآيات الله وعنادهم لرسل الله هو الذي أخرجهم من أرضهم، ولقد كان بإمكانهم ـ لو عقلوا ـ أن يميزوا بين معجزات الله وبين السحر، قال في لهجة المعاند المجادل.
﴿فَلَنَاتِيَنَّكَ بِسِحرٍ مِّثلِهِ﴾
أدرك عدوُّ الله أن الذي جاء به موسى عظيم فلن يستطيع أن يأتي بأعظم منه، ولذلك قال: ﴿بِسِحرٍ مِّثلِهِ﴾ وهذا تلبيس منه على الناس وإبهام لهم أنه يقوى على معارضته، وقد كانت بلاد مصر يومئذٍ تعج بالسحرة، وأكثر بنِي إسرائيل ممن ورث السحر عمن ورثه من أجدادهم عن شياطين سليمان، قال فرعون لموسى:
﴿فَاجْعَلْ بَينَنَا وَبَينَكَ مَوعِدًا لاَّ نُخْلِفُهُ نَحنُ وَلاَ أَنتَ مَكَانًا سِوًى﴾
طلب من موسى أن يعَيِّن له يومًا ومكانًا يجتمعون فيه للمباراة، وهذا منه إدلاءٌ بقوَّته، وسيأتي مثل هذا المعنى في مخاطبته لموسى في إلقاء ما عنده، وإنما يدلِي بهذا التخيير من كان معتزًا بقوته غير عابئ بخصمه، وقد اعتدَّ بالسحرة من قومه، فهو يطلب مهلة لجمعهم وإحضار مَهَرَتِهم للمباراة، وقد يكون منه هذا الطلب ربحًا للوقت، ولولا معيَّة الله لموسى وأخيه هارون وحفظه لهما، لكان فرعون طغى عليهما وأمر بقتلهما، ولكن عصمة الله حالت دون ذلك، ولا يكون إلاّ ما أراد الله، قال
:
﴿فَاجْعَلْ بَينَنَا وَبَينَكَ مَوعِدًا لاَّ نُخْلِفُهُ نَحنُ وَلاَ أَنتَ مَكَانًا سِوًى﴾