مختصر تفسير الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض "في رحاب القرآن" - سور الكهف ومريم وطه والأنبياء الناصر بن محمد المرموري

مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري

الجزء ١ · صفحة ٢٩٧

إيهامًا للناس أن طريقهم هي المثلى، وهي الحسنى، وأنَّ هذين الرجلين يريدان أن يذهبا بها، وهذا فيه ما فيه من تحريش الناس ضدهما، وإيقاد حماسهم لحماية عقيدتهم وطريقتهم، والدفاع عنها ضد من يريد تغييرها وتبديلها بطريقة أخرى، وهذا من كيد الكافرين، ومكرهم السيِّئ حين يريدون التشبت بباطلهم الذي هو امتداد لعزِّهم وكبريائهم، يُصوِّرُون لأتباعهم أنه مجدُهم ورشادُهم وصلاحُهم، وأن كل من يحاول تغييره إنما يريد أن يخرجهم من أرضهم، ويسلبهم عِزَّهم، فهو إذن خطر عليهم.

﴿فَأَجْمِعُوا كَيدَكُمْ ثُمَّ اَيتُوا صَفًّا وَّقَدَ اَفلَحَ اليَومَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾

هكذا أمر بعضهم بعضًا أن يجمعوا كيدهم، و"أَجْمَعَ" بهذه الصيغة الرباعية: هو جمع الهمة والعزم، والمضي في الأمر بإصرار، أما "جَمَعَ" الثلاثي: فهو ضم أشياء متشتتة بعضها إلى بعض، لقد حرض بعض القوم بعضهم أن يجمعوا كيدهم ويتحدوا صفًّا واحدًا ضد موسى، وعلموا أن اليوم يوم الفصل فقد أفلح من ظهر فيه واستعلى، وأقسموا بعزة فرعون أنهم هم الغالبون، وما علم القوم أنهم إنما يحاربون الله ورسوله، وأن الله كتب لَيَغلِبَنَّ هو ورسله كلَّ من حاربه، وأنه لا يقوم لسلطان الله سلطانٌ، ولا يقوى على حربه جندٌ مهما كان عتيدًا، فلِلَّهِ العزةُ ولرسوله وللمؤمنين، لقد اغتروا بجمعهم الحاشد وخاطبوا موسى مخاطبة المعتد بقوته.

﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَّكُونَ أَوَّلَ مَنَ اَلْقَى (65)﴾

قالوا لموسى واثقين بما عندهم من قوة السحر: يا موسى إما أن تبدأ بإلقاء ما عندك وإما أن نلقي ما عندنا، ولا يخيَّر الخصمُ خصمَه في البِراز إلاَّ إذا كان معتدًا بما عنده واثقًا بالغلبة، فقال موسى مجيبًا لهم وهو واثق بربه متوكل عليه:

﴿قَالَ بَلَ اَلقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُم يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِن سِحرِهُمُ أَنَّهَا تَسعَى (66)﴾

٢٩٧ / ٤٥٣