مختصر تفسير الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض "في رحاب القرآن" - سور الكهف ومريم وطه والأنبياء الناصر بن محمد المرموري

مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري

الجزء ١ · صفحة ٢٩٩

كانت الساحة عريضة، قيل: ميلا في ميل، فملأوها حيات وثعابين تتقلب حتى شعر موسى بنوع من الخوف يساور نفسه، ولولا أن الله أخبرنا بهذا الخوف لاستعبدنا أن يخاف من أخبره الله أنه في مَعِيَّته، ولكنه ضعف فطري يصيب قلوب بني آدم مهما كان إيمانهم قويًا ونظيره في القرآن في قوله ـ تعالى ـ: ﴿وزلزلوا حتى يقول الرسول والذِّينَ ءَامنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب﴾ (البقرة:214)، وذلك في حق النبي ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ والمؤمنين معه وتنوعت أقوال المفسرين في الشيء يخافه موسى، قال بعضهم: "خاف على نفسه من تلك الحيات والثعابين التي تسعى"، وقال آخرون: "خاف أن يؤثر هذا المنظر الهائل في عقول الناس فيعتقدون الحق مع السحرة"، وقال آخرون: "خاف أن ينصرف الناس بعد أن بهر عقولهم هذا السحر العظيم فلا ينتظروا ليشهدوا ما يقع بعد، وهو من جملتهم لا يعلم ماذا سيحدث"، وهذه المعاني لا تتزاحم بل يمكن أن تمر هذه الهواجس كلها في خاطر موسى وهو يشاهد المنظر، وينتظر أمر الله ووحيه، ولم يكن ليُلقِيَ عصاه قبل أمر من الله فطمأنه الله:

﴿قُلنَا لاَ تَخَفِ اِنَّكَ أَنتَ الاَعلَى وَأَلقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلَقَّفْ مَا صَنَعُواْ إِنَّمَا صَنَعُوا كَيدُ سَاحِرْ وَلاَ يُفلِحُ السَّاحِرُ حَيثُ أَتَى﴾

بشره الله بالعلو على خصمه والغلبة عليهم، فَلِمَ التخوف إذن؟ وأوحى إليه:

﴿وَأَلقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾

أمره الله بالإلقاء وعدل عن التصريح بالعصا إلى الإبهام؛ لأن العصا لم تعد حينئذ مجرد عصا، إنما هي معجزة كبرى ستكون بعد إلقائها ذات منظر رهيب وخبر عجيب ينجلي عن إرادة الله القاهرة وحكمته الباهرة.

﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلَقَّفْ مَا صَنَعُوا﴾

٢٩٩ / ٤٥٣