مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٣٠٩رُوِيَ أنه إذا مات المؤمن يبكي عليه موضع سجوده من الأرض وموضع صعود عمله من السماء، وهنا في الآية إشارة لطيفة إلى ذلك، وأن هؤلاء المجرمين ما بكت عليهم السماوات والأرض وما كانوا منظرين لَمَّا حان موعد هلاكهم، بل ذهبوا إلى سخط الله غير مأسوف عليهم، وتركوا الشيء الكثير من الجنات والعيون في مقام كريم، أقامهم الله فيه وما شكروا أنعمه بل كفروها فأُخرِجوا منها، وأورثها الله قومًا آخرين ليسوا بأولادهم ولا أحفادهم ولا ذويهم، بل أورثها قومًا آخرين، وهم الذِّينَ كانوا يستضعفونهم ويذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم، وهذه مِنَّة الله على بني إسرائيل بما صبروا، أنزلهم منازلهم وأورثهم كنوزهم ونجاهم من عدوهم، ولقد امتن الله عليهم بهذه الأنعم وبغيرها من النعم التي أنعم الله بها عليهم من نعم الدنيا والدين، قال ـ تعالى ـ مخاطبًا إياهم بعد هلاك عدوهم:
﴿يَا بَنِي إِسرَائِيلَ قَدَ اَنْجَينَاكُم مِّن عَدُوِّكُم وَوَاعَدنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الاَيْمَنَ وَنَزَّلنَا عَلَيكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلوَى﴾
نداء من الله ـ تعالى ـ لبني إسرائيل يمتن عليهم بثلاث نعم عظمى؛ ليشكروا أنعم الله عليهم ولا يكفروها، وليطيعوه ولا يعصوه.
نجاهم من عدوهم بعد أن ذاقوا منه البلاء العظيم.
وهداهم بإنزال التوراة عليهم إلى صراط مستقيم.
وأطعمهم بنوعين هما من أطيب أنواع الطعام وهما المن والسلوى، والْمَنُّ: يشبه العسل، يجدونه على أوراق الأشجار ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس يجمع الواحد منهم ما يكفيه له ولعياله كل يوم إلاَّ يوم السبت؛ فإنهم يجمعون نصيبه في يوم الجمعة، والسلوى نوع من الطير، وهي طيور السُّماني تتعرض لهم فيمسكون منها ما يشاؤون، وهذا بعد خروجهم من البحر، وقبل رجوعهم إلى منازلهم، والمنازل التي ورثوها من آل فرعون.