مختصر تفسير الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض "في رحاب القرآن" - سور الكهف ومريم وطه والأنبياء الناصر بن محمد المرموري

مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري

الجزء ١ · صفحة ٣١

رَبَّنَا آتِنَا مِّن لَّدُنكَ رَحمَةً وَهَيِّئ لَنَا مِنَ اَمرِنَا رُشدًا} دعاء بليغ ألهمهم الله إياه لأنه أراد بهم خيرًا، إنَّ حالتَهم عجيبة، فقد فرُّوا من الملك وقومهم الكفار إلى هذا الغار الكبير في الجبل، وهم يَجهَلُون عاقبتَهم ولا يدرُون بعد هذا الفرار مصيرهم، ولم يكونوا خطَّطُوا لِفِرَارِهِم هذا من قبل، ولا رَسَمُوا بعده خُطَّةً يسلُكُونَها، وذلك حسبما يبدو من دعائهم هذا، وهُم يعلَمون أن قومهم سيتقصَّون آثارهم، فكيف يكون المخرَجُ من هذا المأزق؟، وكيف يَصدرُون من هذا المورد الذي وَرَدُوهُ من غير اختيارٍ، إلاّ أنهم أُلجئوا إليه إلجاءً، فوكّلوا أمرهم إلى خالقهم الذي هداهم ورغبوا إليه أن يهب لهم من لدنه رحمة ويهيئ لهم من أمرهم رشدًا، رغبوا إلى ربهم أن يهب لهم من لدنه رحمة وهُم أَمَسُّ الناسِ حاجَةً إِلَى رحمة الله تغمرهم، ومَنْ غَيرُ اللهِ يَرحَمُهم في حالَتِهم هذه؛ ولذلك سألوها من لدنه، ورحمةٌ مِن لَدُن رَحِيمٍ تكون عظيمة وشاملة، والهدية على قدر المُهدِي.

فاستجاب الله دعاءهم وغمرهم برحمة الدنيا ورحمة الأبد وهيّأ لهم من أمرهم المبهَمِ الرَّهِيبِ رَشَدًا، ولم يكونوا هيَّؤُوا له خُطَّة قبل فِرَارهم هذا، فالتجأوا إلى العليم الخبير أن يُهَيِّئ لهم من لطفه وقدرته رشدًا يصيرون فيه إلى العاقبة الحسنى، فكان الله عند ظَنِّهم، وكذلك يُنَجِّي الله المؤمنين به، ويجعل لهم من أمرهم يُسرًا، فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه عاقبة الأمور.

﴿فَضَربنَا عَلَى آذَانِهِم فِي الكَهفِ سِنِينَ عَدَدًا (11) ثُمَّ بَعَثنَاهُم لِنَعلَمَ أَيُّ الحِزبَينِ أَحصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (12)﴾

٣١ / ٤٥٣