مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٣٢هيّأ لهم ربُّهم من لُطَفِه رَشدًا فَضَرب على آذانهم حِجَابًا من النوم يحجُب عنها كل أصوات الدنيا حتى يَنَامُوا نَومًا هَنِيئًا يُخرِجُهم من عالَمِهم المليء بالهواجس والمخاوف إلى عالَم كلُّه سُبَاتٌ ورَاحَة، وردّ عنهم أيدي الظالمين وحجبهم عن أعين الطالبين، وأطال نومهم هذا سنين طويلة حتى تغيَّر أمر قومِهم وسلطانهم، ثم بعثَهم بعد نومهم ليظهر أمر الله العجيب في إنامتهم هذه المدة الطويلة التي لا يعتادُهَا النَّائِمُون، وحفظ أجسادهم من التآكل والبلى.
ويظهر أمر الله العجيب فِي بَعثِهم بعد نَومهم الطويل الذي يشبه البعث بعد الموت ليظهر العلم الحقيقي من الله بهذه المدة الطويلة ومقدارها، والناس يختلفون كثيرًا في أبسط من هذا، فنصب الله العليم لمدتهم علامة وهي هذه العُملَة التي نُقِشَت بِاسمِ مَلِكِ زَمَانِهِم، ولذلك ذكرها الله نصًّا في نبأهم منها، يتَّضِح للناس مقدار مدة لَبثِهِم التي أخبَرَ اللهُ عنها بالنص، وهي ثلثمائة سنين وزيادة تسع سنوات، وهي الفرق ما بين الحساب القمري والحساب الشمسي، جعلها الله ثلثمائة بالحساب الشمسي حتى يستيقظوا في نفس الطَّقس والفصل الذي ناموا فيه ولا يتغير عليهم الجو فيظنوا أنهم ناموا يومًا أو بعض يوم، ثم بعد ذلك يظهر لهم الفرق الكبير، كما سيأتي في الآيات التالية:
﴿نَحنُ نَقُصُّ عَلَيكَ نَبَأَهُم بِالحَقِّ إِنَّهُم فِتيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِم وَزِدنَاهُم هُدًى (13) وَرَبَطنَا عَلَى قُلُوبِهِم إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالاَرضِ لَن نَّدعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَّقَد قُلنَا إِذًا شَطَطًا (14)﴾
النبأ هو الخبر الذي له شأن وقيمة، وهذا كذلك؛ لأن فيه أمرًا عجيبًا من آيات الله وفيه معتبر وموعظة للمتقين، ﴿نَحنُ نَقُصُّ عَلَيكَ نَبَأَهُم بِالحَقِّ﴾