مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٣١١والطغيانُ: هو العلُوُّ في الأرض، والفسادُ فيها: هو الخروج عن طاعة الله وهو يشمل جميع أنواع الكبائر والموبقات سواء منها التي بين الإنسان وبين ربه، والتي بينه وبين غيره من بني جنسه من أنواع الظلم، والإنسان من طبعه إذا أقبلت عليه الدنيا واستغنى يطغى ويكفر المنعم ويتجبر، وبعدما يطغى ويكفر ويفسق قد يمهله الله زمنًا طويلا، ويُغرِهِ ذلك الإمهال فيزداد طغيانًا، حتى إذا حان موعد هلاكه وحل عليه غضب الله لا ينفعه إيمانه، وذلك ما وقع لفرعون وقومه، فحذر الله بني إسرائيل من عاقبة الطغيان التي شاهدوها بأعينهم ورأوا كيف حل غضب الله على أعداء الله الذِّينَ عتوا على الله وكفروا بأنعم الله، فما أحراهم أن يعتبروا بهم ويتعظوا بكلام الله وهو يحذرهم.
﴿وَلاَ تَطغَواْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيكُمْ غَضَبِي وَمَن يَّحلِلْ عَلَيهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾
يقول الله ـ تعالى ـ ومن يَنْزِل عليه غضبي فقد هوى، أي هلك هلاكًا لا نجاة بعده، وقد رأى بنو إسرائيل كيف هوى فرعون من عرشه وعزه وسلطانه، وكيف هوى في قعر البحر حيث لقِيَ غمرات الموت، ثم هوى في نار جهنم ﴿مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارًا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارًا﴾ (نوح:25)، نزلت هذه الآية في قوم نوح الطغاة، وكذلك صنع الله بفرعون وقومه ﴿إن بطش ربك لشديد إنه هو يبدئ ويعيد وهو الغفور الودود ذو العرش المجيد فعال لما يريد﴾ (البروج:12-16)، وما من آية في القرآن فيها التحذير من الوعيد إلاَّ وغالبًا ما تجد إلى جنبها آية تفتح باب التوبة والرجاء، إما تسبقها أو تليها، وهذا من رحمة الله بعبيده الضعفاء، وهو يعلم ضعفهم وطغيان الهوى عليهم، وكيد الشيطان بهم، فتح لهم أبواب التوبة الواسعة فكذلك في هذا السياق يقول الله عز وجل:
﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهتَدَى﴾