مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٣١٢باب المغفرة والتوبة مفتوح للتائبين المنيبين الذِّينَ راجعوا الهدى بعد الضلال، ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون، لقد أثنى الله على نفسه بما هو أهله، وصف نفسه بصفة المغفرة بصيغة المبالغة لكثرة مغفرته وشمولها لجميع الذنوب كبيرها وصغيرها، شرط أن يتوب مرتكب الذنب توبة نصوحًا، ويجدد إيمانه؛ لأنه كما ورد في الحديث: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن"، فلا بدَّ عند التوبة من تجديد الإيمان الذي كان تقلص عند ارتكاب الذنب الكبير ولابدّ من مراجعة الهدى، وليكفر التائب من ذنبه بعمل صالح يعمله تكفيرًا لذنبه؛ لقول النبي ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ: "وأتبع السيئة الحسنة تمحها"، ولقول الله ـ تبارك وتعالى ـ: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ (هود:114)، تلك هي أركان التوبة بعد الندم على ارتكاب المعصية والإقلاع عنها والعزم على عدم معاودتها أبدًا، وذلك هو معنى التوبة فإن دام على ذلك فحَسَنٌ، وإن عاد فليعاود التوبة، وليجدد العزم وليكفر مرة أخرى بعملٍ صالح، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وليحذر العبد التمادي والإصرار فإنه لا مغفرةَ لِمُصِرٍّ، وجاء التعبير هنا بالاهتداء إشارة إلى أن من يرتكب الذنب كان متجهًا اتجاهًا خطأ وضل الطريق، وبعد توبته وإقلاعه عن الذنب يتجه الاتجاه الصحيح ويسلك الصراط المستقيم، فلنحفظ هذه الكلمات الأربع ولنعمل بها لنفوز بمغفرة الله.
﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهتَدَى﴾
ثم بعد هذا الثناء الذي فيه تعليم وإرشاد وتبشير لنا معشر المؤمنين يتوجه الخطاب إلى نبي الله موسى ـ عليه السلام ـ وتتجه القصة اتجاهًا معينًا، فيه إخبار عن حالة بني إسرائيل بعد ذهاب موسى إلى الطور متعجلا طالبًا لرضا ربه تاركًا قومه وراءه، فحدث فيهم ما حدث مما أخبر الله به، قال ـ تعالى ـ:
{