مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٣٢٩يومئذ يخرجون من قبورهم ويسيرون كأنهم جراد منتشر سراعًا، يتبعون الداعي الذي يدعوهم إلى أرض المحشر حيث يرون أعمالهم، رُوِيَ أن الداعي يقول: "أيتها اللحوم الممزقة!، أيتها العظام النخرة، ارجعي إلى ربك"، فيسيرون قُدُما سراعا، كأنهم منجذبون إلى صوته، لا ينحرفون يمينا ولا شمالا، ولا يتوانون ولا يتوقفون، كأن سائقهم يسوقهم من الخلف وقائدا يقودهم من أمامهم، فهم ينسابون من كل جهة خشعا أصواتهم للرحمن فلا تسمع إلا همسا، والهمسُ هو: "الصوت الخفي"، قيل هو: "صوت الأقدام الحافية الماشية في أرض المحشر المستوية"، أما الكلام، فلا كلام في هذه الحالة وهم مقبلون إلى خطر عظيم، وقد علموا أنهم قادمون على أعمالهم ليروها، فإما إلى جنة يدوم نعيمها وإما إلى نار يدوم جحيمها، وبين يديهم الوقوف بين يدي الله والسؤال والوزن والحساب والصراط ثم الجزاء المنتظر، فهم ساكتون لروعة الهول لا ينطقون، وقد يكون الهمس: "أصوات الملائكة المكلفون بما كلفوا به"، فهم يتخافتون بينهم في تبليغ ما أمروا بتبليغه بعضهم لبعض، أما الإنس والجن في هذه الحالة لا يتكلمون فهم أذلاء خائفون، خاشعة أبصارهم وفي هذا المشهد معتبر وأي معتبر! لِذوي الألباب الذي يتلقون كلام الله بقلوب شاهدة، ثم يستمر وصف المشهد الرهيب فيتكلم عن الشفاعة، وما أدراك ما الشفاعة فيقول:
﴿يَومَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنَ اَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَولاً﴾
يقول الله ـ تبارك وتعالى ـ: يومئذ أي يوم تجتمع الخلائق للحساب لا تنفع الشفاعة إلا لمن أذن له الرحمن ورضي له قولا، فالشفاعة واقعة حقا، ولكن لها شرطان لازمان: الإذن والرضا.
شرط للشافع: أن يكون ممن أذن له الرحمن في الشفاعة، ورضي قوله من عباده المقربين؛ الرسل والأنبياء ومن أراد من أوليائه المخلصين.