مختصر تفسير الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض "في رحاب القرآن" - سور الكهف ومريم وطه والأنبياء الناصر بن محمد المرموري

مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري

الجزء ١ · صفحة ٣٣٥

ولقد صرف الله فيه من الوعيد؛ لأن الله يعلم أن الوعيد أشد تأثيرًا على النفوس، وسلطانه أضبط لها، وقد علم الله أن هذه النفس الأمارة بالسوء، الكسولة عن الخير المطبوعة على الشح والهلع قد تسمح في كثير من الدرجات والعواقب الحسنة رغبة في الشهوات، وميلا مع الهوى، ولكنها ترهب من العقوبة إذا ذكر لها أصناف العذاب التي أعدت لأهل العصيان والتمرد والإصرار فتَلُوذ بالتقوى وترجع إلى الله وتتوب إليه متابًا، وربما تتلى على أحد من أهل الغفلة والإعراض آية أو آيات من كتاب الله، فتحدث له ذكرًا.

وفي تصريف الله لكلامه وتنويعه حكمة عظيمة وبالغة؛ ذلك لأن طبائع الناس تختلف ونفوسهم متفاوتة، وسعيهم شتى فالذي تعظه الآية الفلانية من كتاب الله قد لا يتأثر بالآيات الأخرى وقد ينتفع الواحد منها بما لا يرفع الآخر به رأسًا، وكذلك أمرهم في الأدوية والأغذية، فما يميل إليه طبع بعض الناس قد ينفر منه طبع الآخرين، والقرآن وإن كان قد ح عسل، ولكن تنحرف أذواق الناس بأمراض النفوس المتبعات لأهوائها فلا ينفع فيها حينئذ إلا ما كان قوي التركيب، يحمل أقراصًا شديدة التأثير في إصحاء المغمى، وإيقاظ النائم، وتنبيه الغافل، تلك هي حكمة تصريف الوعيد وتصريف الأمثال، ﴿ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل وكان الاِنسان أكثر شيء جدلا﴾ (الكَهف:54)، هذا..

ويمتنع أهل الشقاء من الإيمان والاتعاظ والتذكر بكلام الله حتى تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قِبَلا، فحينئذ لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا، وقد يمضي أحدهم في الفجور، ويُمعِنُ في الضلال زمانًا، ثُم يريد الله به خيرًا، فيستمع إلى آية من القرآن تُتلى عليه فتحدث له ذكرا، فيرجع ويتوب ويقلع عن غيِّه، ولكل أجل كتاب.

﴿فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الحَقُّ﴾

٣٣٥ / ٤٥٣