مختصر تفسير الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض "في رحاب القرآن" - سور الكهف ومريم وطه والأنبياء الناصر بن محمد المرموري

مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري

الجزء ١ · صفحة ٣٤

إنَّهم شَبَاب، ويقال إنهم من أبناء الأغنياء والخاصة، هداهم الله وهم في سنِّ الشباب والفتوَّة وثبَّتَهم على الهدى، على دين المسيح ـ عليه السلام ـ وشريعته، وربط على قلوبهم أي ملأها قوة وشجاعة لم يهابوا الملك حين صارحوه بعقيدتهم في ربهم بكل إيمان وثبات، ويقال أنهم من مدينة تُسَمَّى "أفسُوس" وأكثر المفسِّرين أنها المدينة المشهورة اليوم باسم "طرسوس"، وهي مدينة قصدها الملِك في بعض رحلاته التي تحرك إليها ليفتن الناس وينظر هل يعبدونه ويعبدون آلهته أم هم على دين المسيح وكان في المدينة مؤمنون على دين المسيح يكتمون إيمانهم ومنهم هؤلاء الفتية الأبرار، ولم يكن بعضهم يعلم ببعض حتى هيّأ لهم من لُطَفِه فرصة يتعارفون فيها ويطَّلع بعضهم على حقيقة البعض الآخر، وذلك في عيد من أعياد قومهم الدينية التي اعتادوا فيها أن يخرجوا كلُّهم من مدينتهم ويتقرَّبوا إلى آلهتهم بالقرابين ويذبحون لها ويقدّمون لها من طعامهم، فخرج الناس ولم يتخلّف عنهم إلاّ المؤمنون المستترون، ومن هؤلاء المتثاقلين وراء الناس هؤلاء الشباب، كل واحد على حاله، جلس أحدهم في ظل شجرة يتفكّر أسفًا في حالة قومه الضالين، فرآه الثاني وظن أن الذي قعد به عن الناس هو نفس الهم والأسف الذي في قلبه فتقدّم منه فتعارفا وتصارحا وبث كل منهما لأخيه ما في قلبه، ثم جاء الثالث فالرابع إلى تمام عدتهم التي يعلمها الله، فبث كل منهم ما في نفسه فإذا هم على دين الواحد الأحد الإله الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤًا أحد، فاتخذوا لأنفسهم مكانًا سِريًّا يخلون فيه لعبادة ربهم فكانوا بعد ذلك يجتمعون مستخفين من قومهم، ولم يمض عليهم وقت طويل حتى حانت رحلة الملك الجبار ولم تسلم مدينتهم من فتنته فدخلها وأقام لهم مهرجانًا دينيًا أمر جميع الناس بالخروج فخرجوا وجعلت جواسيس الملك يتعقَّبون المتخلفين ويفضحون أمرهم للملك فيقتل من يشاء ممن يأبى عبادة آلهته، ويسجن

٣٤ / ٤٥٣