مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٣٤٧وفي الآية لَطف الله بعباده المؤمنين حتى في حالة العقوبة، إذا علم أنهم أولياؤه، وأنهم سيتوبون إلى ربهم ويُنِيبُون، فإن الله لَمَّا حرم على آدم وحواء لباس الجنة حين عصياه لَم يحرم عليهما الورق، وهو أيضًا من ورق الجنة بل تركهما ينزعانه ويخصفانه: أي يضمان بعضه إلى بعض بالشوك أو بالسعف أو نحوه ليجعلا منه ستارًا لسوآتهما الباديات، وهذا من الله لطف بهما وقد علم أنهما لم يعصياه كفرًا وتمردًا كما عصى إبليس، بل فُتِنا ونَسِيَا عهدهما نسيانًا وغفلة، وفي الآية دلالة على كرم طبع آدم وحواء، فَهُما وإن كان زوجين لا يحرُم عليهما النظر إلى سوآتهما، ولكنهما خجلا واستحيا بعضهم من بعض، وهذا يدل على ما طبعا عليه من الحياء والكرم وصدق الله العظيم القائل ﴿لقد خلقنا الاِنسان في أحسن تقويم﴾ (التين:04)، وفي الآية كشف لطبيعة الإنسان الذي هو شغوف بما منع ونُهِيَ عنه، وفي الحديث: "لو نُهِيَ الناس عن فت البعر لفتُّوه"، لقد كان في الجنة آلاف الأشجار ذوات الثمار المختلفة ولم يحرم الله عليهما إلاَّ شجرة واحدة كان يُمكن جدًا لآدم وحواء أن يستغنيا عنها، لولا مَيْلُ الإنسان إلى ما نُهِيَ عنه، ولا ننسى وسواس الشيطان.
وقد يعجب أحدُنا ويعتب على أبويه آدم وحواء فيقول: يا سبحان الله! كيف يتركان كل أشجار الجنة ويتعلقان بالشجرة الواحدة التي نهيا عنها، ويأكلان منها ويكون أكلهما سببًا لشقائهما، وشقاء ذريتهما من بعدهما؟!