مختصر تفسير الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض "في رحاب القرآن" - سور الكهف ومريم وطه والأنبياء الناصر بن محمد المرموري

مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري

الجزء ١ · صفحة ٣٤٨

وليس أمرهما بأعجب من أمرنا، ولا حالهما بأغرب من أحوالنا، فإننا جميعًا نقع دائمًا في مثل ما وقعا فيه، وما تلك الشجرة المحرمة عليهما إلاَّ مثال للمحرمات القليلة التي نهينا عنها، فما أقلها في جانب الطيبات الكثيرة والكثيرة التي أباحها الله لنا في هذه الأرض، إن الأشياء القليلة التي نهينا عنها وحُرِّمت علينا ما هي في قلتها بالنسبة للطيبات من الرزق التي خلقت لنا إلاَّ كنسبة الشجرة التي نُهي عنها آدم إلى شجر الجنة، أباح الله لنا الطيبات من الرزق وحرَّم علينا شجرة الخبائث، ولو عقلنا ما تعرضنا لها، ولكن الجِبِلَّة التي جُبِل عليها أبونا الأول وأمنا هي واحدة لا تختلف، والشيطان هو الشيطان فلا عتب على أبوينا، والرواية متكررة دائمًا وأشبهنا بأبويه الخطاءون التوابون والله هو الغفور الرحيم.

وفي الآية إشكال عند المفسرين: وهو يتعلق بوسوسة إبليس لأبوينا وهما في الجنة وهو مطرود منها بعد إبائه للسجود لآدم، كيف يتأتى له أن يوسوس لِمن في الجنة بعد أن أخرج منها؟ ولهم في هذه تأويلات، ولعل أقربها إلى الصواب هو أن الطردَ مؤجل إلى حين، وذلك أن الله خاطبهم جميعًا آدم وحواء والشيطان بخطاب واحد: ﴿اهبطوا بعضكم لبعض عدو﴾ (البقرة:36)، أبقاه الله في الجنة أو أذن له في الرجوع إليها ولو لفترات؛ ليتحقق أمر الله وقضاؤه المحتوم؛ لأن الله أمهل إبليس إلى قيام الساعة خاطبه بقوله: ﴿واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعِدهُم وما يَعِدُهم الشيطان إلا غرورًا﴾ (الإسراء:64)، فلابد لأمر الله أن يقع، ولا يهمنا إشكال المفسرين في القضية ما دام أمر الله واقعا، وقضاء الله مقدورا، ولنتجاوز لهذه الأشكال إلى ما يعنينا من معنى الآيات ويكسبنا موعظة وذكرى، قال ـ تعالى ـ:

﴿وَعَصَى ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيهِ وَهَدَى﴾

٣٤٨ / ٤٥٣