مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٣٥٠وفي الآية إن مرتكب الخطيئة غاوٍ، وأنه بعد توبته مهتدٍ يهديه ربُّه إلى صراط مستقيم، وفي هذه الآيات ذكر آدمُ وتدخُل معه زوجه بالتبع، وقد جاء التصريح بها وبتوبتها في سُورَة البقرة حيث جاء ضمير المثنى هنالك، وبعد ذكر التوبة والهداية ذكر الله قصة إهباط آدم إلى الأرض، وإن كانت توبة الله عليه وقعت بعد هبوطه إلى الأرض، ولكن قدَّمها الله في الذكر لينبِّهنا على حفاوته وعنايته بأوليائه فلا يذكر لنا إخراجهما من الجنة إلاّ بعد أن ذكر لنا توبته عليهما واجتباه لآدم، وفي ذلك إشارة إلى أنه وإن شقى بمعصيته في الدنيا بهبوطه إلى الأرض ومجاورته فيها عدوَّه، فإنه لن يشقى يوم القيامة، وسيعود إلى الجنة وينعم فيها بالخلود، ورضوان الله أكبر، وكذلك التائبون من أبنائه.
﴿قَالَ اهْبِطَا مِنهَا جَمِيعًا بَعضُكُمْ لِبَعضٍ عَدُوٌّ﴾
الخطاب من الله ـ تعالى ـ لآدم وإبليس؛ لأنه قال: بعضكم لبعض عدُو، وهذه العداوة بين إبليس وآدم وذريته لا بين آدم وزوجه، صدر الأمر الصارم من الله العلي الأعلى بالهبوط إلى الأرض لآدم وزوجه وإبليس جميعًا، وصدر الحكم النافذ أن عداوة إبليس لآدم وذريته متمكنة مستمرة لا مطمع في زوالها، هذا ليحذر آدم وبنوه من شر هذه العداوة، ولا يحسنوا الظن بإبليس أبدًا، ولو تظاهر لهم بالنصح، وأقسم لهم على ذلك أيمانًا مغلظة، وقد رأينا ما جرَّ حُسنُ الظن به من بلاء وشقاء لأبوينا الأولين، فأعلن الله لنا بهذه العداوة صراحة، حتى نتقيها ولا نغتر بقسم إبليس وتظاهره بمظهر الناصح، فلا عذر بعد الإنذار المصرَّح به من قِبَل الله، فيجب أن نقابل عداوة إبليس بعداوتنا، وعداوتنا هي مخالفتنا له وسوء ظننا به وبذريته وجنوده، قال ـ تعالى ـ:
{