مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٣٥٦كذلك يكون جزاء الله للمسرفين الذِّينَ أسرفوا في تقدير أنفسهم فرفعوها فوق الحق، وتكبَّروا على دعاة الله، وأعرضوا عنهم استكبارًا وطغيانًا، فما الدين وما القرآن وما الآخرة في نظرهم إلاَّ تخيلات الرجعيين المتخلفين ﴿فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم﴾ (غافر:83)، فهم مسرفون بهذا الاعتبار، ومسرفون أيضًا بارتكاب المعاصي والفواحش والمظالم؛ لأن حب الدنيا قد استحوذ عليهم فأنساهم الآخرة، وشهواتهم طغت عليهم، فلا قيد لها من إيمان أو خشية، فأي شيء يكفهم عن العصيان، وهم معرضون عن ذكر الله؟ ولذلك قرن الله إسرافهم بعدم الإيمان؛ لأن عدم إيمانهم هو السبب في إسرافهم، ولأنهم حين يسرفون في الإثم والعدوان يذهب الإيمان ولا يبقى، ففي الحديث الصحيح: ﴿لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن﴾ (رواه البخاري ومسلم)، الحديث فكما أن اقترن العمل الصالح بالإيمان، فكذلك اقترن الإسراف بعدم الإيمان اقتران اللازم بالملزوم، ثم قال ـ تعالى
ـ:
﴿وَلَعَذَابُ الاخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾
بعد هذا التخويف من سوء عواقب المسرفين، زاد فأنذرهم بعذاب الآخرة الذي هو أشد وأبقى، وأكد الله الخبر بـ: "اللام"، لتحقق وقوعه فلا ريب في ذلك، فإذا صاروا إليه تصاغر في جنبه كل نعيم نالوه في الدنيا، وتقاصرت أيام الدنيا حتى حسبوها يومًا أو بعض يوم، وتصاغر كل ما ينالهم من المعيشة الضنك وعذاب القبر وإن طال، وموقفهم موقف الخزي والفضيحة يوم القيامة، كل ذلك يتضاءل في جنب عذاب الآخرة المقيم الدائم، فهو أشد وأبقى فما أسوأ مصير المسرفين المكذبين.
{