مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٣٦٣أي: لا تنظر يا مُحَمَّد أنت ومن معك من المؤمنين نظر المعجب الراغب المتمني لما متعنا به بعضًا من هؤلاء الكفار الجاحدين لرسالتك، اصبر على ما يقولون، وسبح بحمد ربك واتل ما أوحي إليك من كتاب ربِّك، واصرف بصرك عما أوتي هؤلاء من زينة الحياة الدنيا، فإنما متعناهم بها لنفتنهم بها، فليست لهم خيرًا، بل هي شر لهم وفتنة، ليس النهي هنا عن مجرد النظر العابر لِمَا أُوتِيَه هؤلاء الكفار المترفون، إنما نهيٌ عن النظر الطامح الذي تُمازجه الرغبة الملحة، والتمني كتمني الذِّينَ يريدون الحياة الدنيا لِمثل ما أوتي قارون حين خرج على قومه في زينته قالوا: ﴿يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم﴾ (القصص:79)، فقد استعظموا حظَّه، وما أحقره!، ونسوا نعمة الإيمان وثواب الله الذي هو خير وأبقى، وذلك هو الحظ العظيم، وهذا النظر الطامح المنهي عنه تفيده صيغة النهي الواردة في القرآن الكريم.
﴿وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾
جاء التعبير بِمَدِّ النظر المسند إلى العينين معًا؛ لأن الناظر إلى الدنيا نظر رغبة فيها يَمُدُّ عينيه معًا، ويفتحهما كأنه يريد أن يلتهمها بعينيه؛ لشدة رغبته في زينتها، وتلهفه على ما فاته منها، وما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلاَّ قليل ﴿نمتعهم قليلاً ثم نضطرهم إلى عذاب النار وبئس المصير﴾ (البقرة:126)، وليس هذا المتاع إلاَّ كزهرة تتفتح زاهية، ثُم سرعان ما تذبل وتتصوح، وما أحلى التعبير بالزهرة، وإضافته إلى الحياة الدنيا مؤذن بسرعة ذهابها وفنائها، فلا ينبغي أن يفتتن بها العقلاء، ولا أن يتمناها الذِّينَ آتاهم الله نعمة الإيمان والعمل الصالح، ثم إن هذه الزهرة ليست لكل كافر وجاحد بل هي مقصودة على بعض منهم دون بعض ولذلك قال ـ تعالى ـ:
﴿وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنهُمْ﴾