مختصر تفسير الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض "في رحاب القرآن" - سور الكهف ومريم وطه والأنبياء الناصر بن محمد المرموري

مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري

الجزء ١ · صفحة ٣٦٤

أي أصنافًا منهم بأصناف من زهرات الحياة الدنيا لفتنتهم، فبعض منهم فتنوا بالمال، وبعضهم فتنوا بالملك والسلطان، وآخرون يفتنون بالبنين، ومنهم من يفتن بصحة البدن واستوائه وجمال الصورة، فيبغون بهذه الأشياء ويبطرون ولا يشكرون الله، بل يُمعِنُون بها في الفجور والعصيان والإثم وأنواع الظلم، وتلك هي الفتنة، ويا ليتهم لم يُمتَّعوا بها فهي لهم عذاب في الدنيا، وحسرات في جهنم، حيث يلقون جزاءهم وتكون لهم عذابًا فوق العذاب، كما قال الله في أشكالهم من المنافقين: ﴿فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون﴾ (التوبة:55)، فهي لهم عذاب في الحياة الدنيا وعذاب في الآخرة، نعم سيعذبون بها في الآخرة؛ لأنهم كفار لم يؤدوا حق شكرها، بل طغوا بها وظلموا وفتنوا بها، واستظهروا بها على معصية ربِّهم الذي رزقهم إياها، وهم أيضًا يعذبون بها في الحياة الدنيا؛ لِخُلُوِّ قلوبهم من الإيمان واستحواذ الشيطان وحب الدنيا عليها، فهم على استمرار في تعب شديد ولهث متواصل وحيرة وخوف عليها أن تصيبها الجوائح والخسائر والنقص، وأنَّى لأحد أن يسلم من المصائب، لاسيما الذِّينَ يكسبونها من الربا ولا يؤدون زكاتها، وهم أيضًا في عذاب من أولادهم الذِّينَ طمسوا فيهم فطرة الإسلام فنشؤوا كفارًا متمردين عاقين لهم مشاققين غير بارين ولا محسنين، فأنى لمثل هؤلاء أن يصدر منهم خير، فآباؤهم وأمهاتهم منهم في عذاب، وكذلك شأنهم من جميع مُتَع الدنيا، فعاقبتهم النحس والنكد والدمار والعياذ بالله، وفي قلوبهم ما لا يعلمه إلاّ الله من الغم والمخاوف والوساوس، وإن رآهم الجاهل في نعيم وحسبهم به سعداء وهم عن السعادة بعداء، إنما السعادة وطمأنينة النفس في الإيمان بالله والاعتصام به وبكتابه.

﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَّأَبْقَى﴾

٣٦٤ / ٤٥٣