مختصر تفسير الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض "في رحاب القرآن" - سور الكهف ومريم وطه والأنبياء الناصر بن محمد المرموري

مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري

الجزء ١ · صفحة ٣٧٥

أمر الله ـ تعالَى ـ نبيَّه أن يقول لهم ربِّي وربُّكم يعلم السر كلَّه في السماء والأرض، وهو السميع لأقوالهم التي يتناجون بها، العليم بنوايا قلوبهم، فهو السميع الذي لا تخفى عنه الأصوات، العليم الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، وجاء هذا القول بعد إسرارهم النجوى مناسبًا قوي التأثير عليهم؛ لأن الله العليم بهم فضحهم وفضح أقوالهم التي تناجوا بها فلم تعد خافية على الناس.

﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَاتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرسِلَ الاَوَّلُونَ مَا ءَامَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ اَهْلَكْنَاهَا أَفَهُم يُومِنُونَ﴾

فضح الله تآمرهم في هاتين الآيتين، ورد عليهم بالرد القامع لهم.

﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ﴾

إنهم كذبوا بهذا القول ورموه بأنواع من الترهات والأباطيل؛ ليُمَوِّهُوا بها على أقوامهم حتى لا يؤمنوا، فمنهم من قال: هو أخلاط الرؤى يراها في المنام فيقصها على الناس، وكأن قائلاً يرُدُّ على هذا القول؛ لأنهم أدركوا أنه كلامٌ حكيمٌ، معجز يعلو ولا يعلى، فقال آخرون:

﴿بَلِ افْتَرَاهُ﴾

أي ليس الأمر كذلك، بل اخترعه مُحَمَّد وصاغه في كلام بليغ ككثير من البلغاء من قبله، وكأنهم شعروا أن هذا الكلام لا يروج على أقوامهم؛ لأنهم يدركون أنه أعلى رتبة في الحكمة والبلاغة والإعجاز من كلام الناس، حتى أنهم عجزوا أن يأتوا بمثله بل بسُورَة من مثله.

فقال بعضهم منهم بل هو شاعر صاغه كما يصوغ الشعراء كلامهم، إنما هو بدع من الشعر لَم يتقيد بأوزانهم، وكأن بعضًا منهم لم يرض هذا القول، ولَم يقتنع به للفرق الكبير بينه وبين الشعر وخيالاته ومبالغاته وأنواع أغراضه الدنيئة وأوزانه وقوافيه، فقالوا:

﴿فَلْيَاتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرسِلَ الاَوَّلُونَ﴾

٣٧٥ / ٤٥٣