مختصر تفسير الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض "في رحاب القرآن" - سور الكهف ومريم وطه والأنبياء الناصر بن محمد المرموري

مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري

الجزء ١ · صفحة ٣٧٨

وليُحقِّق الله بشريتهم نفى عنهم صفات الملائكة، ونفى عنهم الخلود، فقال وما جعلناهم أجسادًا لا تأكل الطعام ولا تخرج فضلاته، بل هم بشر كسائر البشر يجوعون فيأكلون، ويعطشون فيشربون، ويبولون ويتغوطون، ويَمَسُّهم التعب والإعياء، ويمرضون ويموتون، وهذه الأوصاف أليق بمن يُبعَث رسولاً ليكون قدوة للناس؛ لأنهم لو لَم يكونوا كذلك، لقال الناس كيف نقتدي بمن لا يَمسُّه ما يَمَسُّنا من الحاجة إلى الطعام والشراب والدواء؟ فهؤلاء ولو تبتلوا للعبادة قد تخلصوا من الطبيعة البشرية فكيف نكلَّف نحن أن نأتسي بهم، وليسوا مثلنا في الضعف والحاجة ومس المرض والموت؟ هلا كانوا مثلنا يشعرون بما نشعر به من الحاجة إلى الطعام والشراب والنساء؟ ويشعرون بالحر والقر، فتكون لنا بهم في تحمل أعباء التكاليف والعبادات من صلاة وصوم وطهارات وصبر عما تدعو إليه النفس من الشهوات؟ واضطرار في بعض الأحوال إلى تخفيف الأحكام عند المشقات؟ وأيضًا لو كانوا هؤلاء الرسل ملائكة لاقتضت حكمةُ الْمرسِل أن يَجعلهم بشرًا؛ ليكون في إمكان البشر أن يتصلوا بهم ويسمعوا منهم؛ لأنه ليس في استعدادهم الاتصال بالملائكة، وحينئذٍ لو كان الرسل من جنس الملائكة وجُعِلوا بشرًا في مظاهرهم، لالتبس الأمر على الناس فيكذبونهم في أمر الرسالة، وفي ادعائهم أنهم ملائكة، فكان من لطف الله بنا أن أرسل إلينا رسلا من أنفسنا يبعثهم في الذؤابة من أقوامهم يعرفونهم ويعاشرونهم عمرًا طويلا قبل مبعثهم، ويؤيدهم الله بالمعجزات والكرامات ما يدل على صدقهم وصدق الكلام الذي يأتون به، ويقولون هو من عند الله، فما يكذبهم حينئذ إلاَّ شقي أثيم خصيم مبين، ثم قال ـ تعالَى

ـ:

﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُم وَمَّن نَّشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسرِفِينَ﴾

٣٧٨ / ٤٥٣