مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٣٨٢القصمُ: هو كسر الجسد الصلب كسرًا شديدا، كذلك يقصم الله الظالمين، يهلكهم في طغيانهم وهم في إقبال من الدنيا فيأخذهم أخذًا وبيلا، وقد أمهلهم قبل ذلك وما زادهم الإمهال إلا إمعانا في المكر والظلم، ظلم أنفسهم بالكفر والمعاصي، وظلم غيرهم بالإفساد في الأرض وطلب العلو والغلبة، وجاء التعبير بـ: ﴿كَمْ﴾ التي تدل على التكثير؛ ذلك لكثرة القرى التي كفر أهلها فأهلكم، والله لا يزال يهلك الظالمين بأنواع من الخسف والزلازل والحروب والدمار، ولله جنود السماوات والأرض، ثم قال ـ تعالَى ـ:
﴿وَأَنْشَأْنَا بَعدَهَا قَومًا _اخَرِينَ﴾
أي وأوجدنا بعد الهالكين أقواما آخرين؛ لننظر ماذا يعملون، حتى إذا بغوا وأفسدوا في الأرض صنعنا بهم ما صنعنا بأسلافهم كما قال ـ تعالَى ـ ﴿ألم نهلك الاَوَّلين ثم نتبعهم الاخِرِين كذلك نفعل بالمجرمين﴾ (المرسلات:18)، ولا يزال الله للظالمين بالمرصاد، قال ـ تعالَى ـ:
﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنهَا يَرْكُضُونَ﴾
فلما جاء العذاب وأحس هؤلاء الظالمون بوقعه إذا هم من قُرَاهم يركضون شرقًا وغربًا، هنا وهناك تائهين ذاهلين، والركضُ: ضربُ الأرجل بالأرض، وفي التعبير بالركض روعة في تصويرهم وهم يجرون إلى غير هدى، ظانين أن جريهم ينجيهم من عذاب الله، وقد أحاط بهم ولا عاصم من أمر الله إلاّ من رحم، وفي التعبير بـ: ﴿إِذَا﴾ الفجائية بيان مفاجأتهم بالعذاب من غير توقع ولا إنذار، وفي الآية تصوير بديع لحالهم وهم يتلقون العذاب المفاجئ الذي لا قِبَل لهم به ولا يطيقون دفعه، فهم يركضون طلبا للنجاة ولات حين مناص، قال ـ تعالَى
ـ:
﴿لاَ تَركُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُترِفْتُم فِيهِ وَمَسَاكِنُكُم لَعَلَّكُم تُسأَلُونَ﴾