مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٣٨٣لا تركضوا اليوم، فإن الركض لا ينفعكم ولا ينجيكم من عذاب الله، وارجعوا إلى ما أترفتم فيه لتذوقوا الهلاك في تلك المساكن التي كنتم منعمين فيها بأنواع النعم، وكنتم لا تشكرونها، ارجعوا لعلكم تسألون عن النعيم الذي كنتم تتقلبون فيه، ولا تشكرون الرب المنعم ولا تؤدون له حق العبادة، بل كنتم تكفرون برسله وتحادون ربكم بأنواع المعاصي، أو لعل الناس يسألونكم عن سبب هلاككم، فإن لم تجيبوا حوارًا أجبتم اعتبارًا، فاليوم فذوقوا جزاءكم في مصارعكم ثم بعدها تسألون، أي ليس الأمر ينتهي بحلول بأس الدنيا، بل بعده سيحاسبون ويسألون وينالهم جزاؤهم في الآخرة، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى، ولا يزال المشهد يعج بالأصوات والحركات:
﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَمَا زَالَتْ تِلكَ دَعْوَاهُم حَتَّى جَعَلْنَاهُم حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾
إنهم في تراكضهم ينادون بالويل والثبور شأن الأشقياء حين يأتيهم العذاب، ولا يعود لهم رجاء في النجاة، يعترفون أنهم كانوا ظالمين وليس اعترافهم بمغنيهم شيئًا قال ـ تعالَى ـ:
﴿فَمَا زَالَت تِلكَ دَعْوَاهُم حَتَّى جَعَلْنَاهُم حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾
أي لا يزالون يتضاغون بالصراخ، حتى أحالهم عذاب الله النازل إلى حصيد، وانتهى حالهم إلى خمود كما تخمد النار بعد اشتعالها وتحول إلى رماد، والحصيد: هو الزرع المحصود، شبه الله حالهم بعد الإزدهار والإقبال بالزرع المتهشم المحصود، وما أدل هذه العبارة على حالهم وقد هلكوا وحل بهم بأس الله وانتهى كل شيء، ونعوذ بالله من حلول بأس الله ونستجير به من شر عذابه ونقمه ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله العليّ العظيم.