مختصر تفسير الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض "في رحاب القرآن" - سور الكهف ومريم وطه والأنبياء الناصر بن محمد المرموري

مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري

الجزء ١ · صفحة ٣٨٧

أي لو أردنا أن نتخذ شيئًا مما يتلَهَّى به الناس لاتخذناه من لدنًّا في ملكوتنا الأعلى، واللَّدُنية تشعر بالخصوصية والقرب، واللهو والولد والصاحبة، وفي هذا رَدٌّ على الذِّينَ يزعمون أن المسيح ابن الله، والذِّينَ يقولون عزير ابن الله، والذِّينَ يقولون: الملائكة بنات الله، تعالى الله عما يقولون عُلُوًّا كبيرًا، وقوله:

﴿إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ إما أن تكون شرطية: أي لو كنا فاعلين، وإما نافية: أي مَا كُنَّا فاعلين، وعلى كلا المعنَيَين ففيه النفي القاطع؛ لأن "لو"، تدل على امتناع الجواب لامتناع الشرط، فالله ـ تَبَارك وتعالَى ـ ينفي ذلك عن نفسه، فهو أمر لا يريده وليس من شأنه، فهو ـ تعالَى ـ لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا وتَنَزَّه ربُّنا وتقدَّس أن توصف أفعاله باللهو واللعب، بل أفعاله كلُّها تجري على مقتضى الحكمة كما قال:

﴿بَل نَقذِفُ بِالحَقِّ عَلَى البَاطِلِ فَيَدمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾

﴿بَلْ﴾: حرف إضراب، أي ليس كما يزعم المبطلون، بل يقذف الله بالحق على الباطل فيدمغه، فإذا هو زاهق: أي زائل عن موضعه ذاهب متلاش، والدمغ: هو الكسر الشديد للشيء الصلب الأجوف، فقد يتظاهر الباطل بالصلابة والقوة والانتفاخ، ولكن سرعان ما يتهشم ويتلاشى إذا قذفه الحق، وهو ما تدل عليه العبارة: ﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾؛ لأن "إذا"، هذه للفجاءة، فلا ثبات للباطل عند ظهور الحق مطلقًا، بل سرعان ما يزول، والتعبير بـ: "القذف" بالحق من روائع البيان، فهو تصوير للمعنوي في قالب المحسوس، ولا يكون القذف إلاَّ بالشيء الصلب المتين، ناهيك إذا كان القاذف هو الله، وهذا هو المقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب، ثم قال ـ تعالَى ـ:

﴿وَلَكُمُ الوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾

٣٨٧ / ٤٥٣