مختصر تفسير الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض "في رحاب القرآن" - سور الكهف ومريم وطه والأنبياء الناصر بن محمد المرموري

مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري

الجزء ١ · صفحة ٣٨٩

"أَمْ"، هذه للإضراب الاستفهامي، والاستفهام للإنكار، أي هل اتخذ هؤلاء الكفار آلهة ينحتونها من الحجارة أو يصنعونها من معادن الأرض؟، وهذا تهكُّم بهم، إذ الملائكة الذِّينَ هم عباد مكرمون يسبحون الله لا يفترون، فلا ينبغي لهم أن يكونوا آلهة، فهل هؤلاء القوم لَمَّا عدموا الآلهة من أهل السماء اتخذوا آلهة من الأرض ينحتونها يعبدونها؟، وليس أدل على سخافة عقولهم من عبادة آلهة من الأرض، أم يزعمون أنها تقدر على ما أنكروه على الله خالقهم، فهي تقدر على بعث الأموات وهم ينكرون البعث؟ وهذا أسلوب في غاية الإلزام؛ لأنه يخاطبهم بالحق الذي لا ريب فيه، وإن أنكروه، ففي الخطاب تجاهل إنكارهم؛ لأنه إنكار للواقع، فلا قيمة له، ولهذا الأسلوب وقعه البليغ في نفوس هؤلاء المكذبين الذِّينَ لهم الويل مما يصفون، وهم مرجع هذه الضمائر.

﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا ءَالِهَةٌ اِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبحَانَ اللهِ رَبِّ العَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾

يقول الله ـ تَبَارك وتعالَى ـ: لو كان في السماوات والأرض آلهة أخرى غير الله، لفسد نظام السماوات والأرض ومن فيها، وهذا برهان قاطع يُحاجُّ الله به المشركين، ويقطع به جهيزتهم فيلزمهم به الحجة، إذ لو تعددت الآلهة، فإما أن تتوافق إرادتهم في كل شيء فلا معنَى حينئذ للتعدد، ولا يمكن هذا، وإما أن تختلف، وحينئذ، فإما أن تتفاوت قدراتهم، وإما أن تتساوى، فإن تفاوتت، فالأقوى هو الإله ولا تصلح الألوهية لمن دونه ولا شركة له، وإن تساوت فالحرب بينهما لا محالة واقعة، فيفسد كل منهما مملكة الآخر، وهو فساد السماوات والأرض.

فَلَمَّا رأينا قيام السماوات والأرض على سُنَن معلومة ونظام دقيق ونواميس كونية تجري على صراط مستقيم ملايين السنين علِمنَا أن المدبر الحكيم واحد، وهو الخالق المالك المقتدر الفعال لما يريد.

﴿فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ العَرشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾

٣٨٩ / ٤٥٣