مختصر تفسير الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض "في رحاب القرآن" - سور الكهف ومريم وطه والأنبياء الناصر بن محمد المرموري

مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري

الجزء ١ · صفحة ٣٩٩

هذا نوع آخر من الأذى الذي يؤذي به الكافرون رسولَ الله ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ، فهم يؤذونه في الغيب بالتناجي في السر بالإثم والعدوان والتكذيب، ويؤذونه في الجهر إذا رأوه يتخذونه هزوًا، وجاء الوصف بالمصدر؛ لإغراقهم في الاستهزاء فهم لا يتخذونه إلاَّ هزوًا﴿أَهَذَا الذِي يَذكُرُ ءَالِهَتَكُم﴾

هذه الجملة مفسِّرة لِمعنَى الاستهزاء، فهي في معنى مَقُول القول، أي يقولون: أهذا الذي يذكر آلهتكم بسوء، واسم الإشارة للتحقير، والذكر يكون بالخير، ويكون بالشر، وهو المقصود هنا للقرينة الدالة عليه على أن النبي ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ لَم يذكرها إلاَّ بالحقيقة التي يجب أن تقال فيها، وهم لا يرضون ذلك، ويعتبرونه سبًّا لها وتنقيصًا من شأنها.

﴿وَهُم بِذِكرِ الرَّحْمَنِ هُم كَافِرُونَ﴾

وذكر الرحمن هنا هو القرآن المنزل من عند الرحمن، فهم يكفرون بالذكر، ويكفرون بالرحمن، ويتجاهلون هذا الإسم، وهو من أخص الأسماء بالله جل جلاله، ولا يجوز أن يُتَسَمَّى به مخلوق إلاَّ مضافًا إليه هكذا: "عبد الرحمن"، وجاء ضمير الفصل في وصفهم بالكفر؛ للدلالة على قوة كفرهم وإصرارهم، فكأنهم هم الكافرون لا غيرهم؛ لأنهم أعرضوا عن الحجج الواضحة، والأدلة البيّنة التي تدل على صدق الرسول فيما يدعوهم إليه، فكفروا بالرسل وبالآيات البينات، فهم الكافرون الحقيقيون الذِّينَ بلغوا الدركة السفلى من الكفر والعناد، وهنا يتعجب عباد الله المؤمنون من إمهال الله إياهم وقد بلغوا هذا المبلغ الفظيع من الكفر والأذى لرسول الله والمؤمنين، فيأتي قوله ـ تَبَارك وتعالَى ـ:

﴿خُلِقَ الاِنسَانُ مِن عَجَلٍ سَأُورِيكُمُ ءَايَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونَ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الوَعدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾

٣٩٩ / ٤٥٣