مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٤٠٤إذا كان هؤلاء الكفار بهذه المنزلة من الإعراض عن الذكر الذي جاءهم من ربهم، وهم بهذا القدر من الضعف والسخافة، فكيف متعهم الله بهذه النعم، وهم لا يزالون يرفلون فيها؟ هذا ما يتساءل به المؤمنون، فجاء جواب هذا التساؤل في هذه الآية
﴿بَل مَتَّعنَا هَؤُلاَءِ وَءَابَاءَهُم حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ﴾
اقتضت حكمة الله ومشيئته العليا أن يمتعهم كما متع آباءهم من قبل بأنواع النعم، أجلُّها الإطعام من جوع والأمن من خوف، حتى طال عليهم العمر في المتاع فقست قلوبهم، ونسوا حق المنعم، ولم يرهبوا لربهم إنذاره وعذابه يقول الله ـ تعالَى ـ: ﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ﴾، رؤية اعتبار ﴿أَنَّا نَاتِي الاَرضَ نَنقُصُهَا مِنَ اَطرَافِهَا﴾، بأنواع من الزلازل والحروب والجدب وسائر أنواع الآفات؟ أفلا يخشون ربَّهم أن يصيبهم بما أصاب به القرى من البأس، أفهم الغالبون على أمرهم المعتصمون بقوتهم وعددهم؟ فما نسبة قُوَّتِهم وغَلَبتهم على ما حولهم من القرى والذِّينَ من قبلهم، ممن حلَّ بهم بأس الله فلم يستطيعوا له دفعًا ولن يجدوا لهم من دون الله أنصارًا؟
﴿قُلِ اِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالوَحْيِ وَلاَ يَسمَعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ﴾
قل يا مُحَمَّد لهؤلاء المكذبين: إنما أنذركم بالوحي من عند الله، وإن كنتم لا تعترفون به وتتعامون عنه وتتصاممون مستكبرين، ولكنه الوحي من عند الله رب العالمين، ولابدَّ لهذا الإنذار من أثر في قلوبهم؛ لأنهم يشعرون ويحسُّون في قرارات نفوسهم أن مُحَمَّدا صادق، فويل لهم من هذا الإنذار الذي يقرعهم من قبل الله
﴿وَلاَ يَسمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ﴾
يقول الله ـ تعالَى ـ فيهم إن هؤلاء في آذانهم وقر، فكيف يسمع الصم الدعاء إذا جاءهم النذر؟، وفي موضع آخر من القرآن يقول الله في حقِّهم: ﴿ولو علم الله فيهم خيرًا لأسمعهم ولوَ اَسْمعهم لتوَلَّوا وهم معرضون﴾ (الأنفال:23).