مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٤١٣قالوا لإبراهيم حين جابَهَهم بالحقيقة، وما كانوا يظنون أنه يجرؤ على ذلك ويصرح به، ويسفه أحلامهم وأحلام آبائهم، ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالحَقِّ أَمَ اَنتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ﴾ أي المازحين؛ لأن اللعب يكون باللسان أيضًا، وهذا السؤال منهم للتعجب الشديد من موقفه منهم، ولذا كان جوابه لهم بالإضراب وبيان الحق مدعَّمًا بالبرهان مشفوعًا بالشهادة.
﴿قَالَ بَل رَّبُّكُم رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالاَرضِ الذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَاْ عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾
قال بل ربكم الحق المعبود بحق هو رب السماوات والأرض، مالِكُهن وخالقهن ومن فيهن، وأنا على ما أقول من الحق شاهد، والشاهدُ: هو الذي ينطق بعلم وحُجَّة، وأنبياء الله هو الشاهدون على أممهم يوم القيامة، وهم الشاهدون أن لا إله إلاَّ الله وأن الدين عند الله الإسلام.
﴿وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعدَ أَن تُوَلُّواْ مُدبِرِينَ﴾
انتقال من خليل الرحمن، من إنكار الباطل باللسان إلى إنكاره باليد، لكن بعد أن يُوَلُّوا مدبرين؛ لأنه حينئذ يتمكن مما يريد من الكيد لتلك التماثيل التي جعلوها أصنامًا، وعكفوا عليها يعبدونها من دون الله، أقسم بالله وأعلن لهم عن عزمه غير خائف ولا مبال من انتقامهم، وهذا غاية الجهاد، أقسم بـ: "التاء"، ولا تكون إلاَّ عند التعجب ومقرونة باسم الله، وأكد قَسَمه بنون التوكيد، في لهجة صارمة أن يكيد أصنامهم بعد أن يُولُّوا مدبرين، فبَرَّ خليلُ الله بِقَسَمه.
﴿فَجَعَلَهُم جُذَاذًا اِلاَّ كَبِيرًا لَّهُم لَعَلَّهُمُ إِلَيهِ يَرجِعُونَ﴾