مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٤١٨أين عقولكم؟! مالكم لا تبصرون بها الحق؟!، أعلنها كلمة صريحة حاجَّهم بها، وجاء بها النمرود وجنوده وكذلك يكون موقف الرجل المؤمن بربِّه المتوكل عليه، المعرض عن كل ما سواه، وليكن ما يكون من سخط قومه وانتقامهم، فقد فوَّض أمره إلى الله رب العالمين، ولَم يشُكَّ إبراهيم أن ربه سينصره عليهم ويتولاه بعنايته ومعيته، وقد ظن به الخير فكان عند ظنه، إيمان راسخ في قلب كبير وعقل مستنير ونفس مطمئنة، راضية بقضاء ربها متوكلة عليه واثقة بنصره، ذلك هو إبراهيم الذي قال ربه فيه: ﴿إن إبراهيم كان أمة قانتًا لله حنيفًا﴾ (النحل:120)، وقال فيه: ﴿سلام على إبراهيم كذلك نجزي المحسنين﴾ (الصافات:109-110).
﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا ءَالِهَتَكُمُ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ قُلنَا يَا نَارُ كُونِي بَردًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبرَاهِيمَ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلنَاهُمُ الاَخسَرِينَ﴾
عجزوا عن مقاومة إبراهيم في محاورته ولزمتهم الحجة، فالتجَؤُوا إلى استعمال القوة معه وكذلك يصنع المفلسون من الحجج، يعمدون إلى المكر اعتمادًا على قُوَّتِهم، وما علموا أن بأس الله أشد وأنكى.
﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ﴾
والتَّحرِيقُ: أشد من الحرق على أن الحرق بالنار أشد أنواع العقوبات، أمر نَمرود ومن معه بتحريقه بالنار لِيَكون نكاية فيه وزجرًا لغيره، فجعلوا لذلك شهرًا كاملا لجمع أنواع الحطب التي تكون وقودًا للسعير الملتهب، وخصصوا لذلك مكانًا في حفرة من الأرض أوقدوا فيها لهبًا عظيمًا، تكاد الطير تحترق إذا مرت فوقه، وحملهم على ذلك الانتقام لآلهتهم التي يقدسونها
﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا ءَالِهَتَكُمُ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾
أي: إن كنتم ناصريها حقًا، قال الله ـ تَبَارك وتعالَى ـ:
﴿قُلنَا يَا نَارُ كُونِي بَردًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبرَاهِيمَ﴾