مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٤٢٠ما أعظم وقع هذا التذييل بهذه الآية، بعدما رأينا ما وقع، فقد باءت جهودهم بالخسار عليهم في الدنيا والآخرة، أما إبراهيم فقد كانت الأيام التي قضاءها في النار أفضل أيامه في الدنيا، فقد أرسل الله إليه ملكًا بثوب من حرير الجنة وفراش من فرشها، وقرن به الملك فكان يعبد الله ويصلي، ورزقه يأتيه من عند الله، والناس ينظرون ويتعجبون، حتى رُوِيَ أن نمرودًا قال له: "إن ربَّك الذي ردَّ عنك النار لعظيم فاعبده"، ولم يتعرض له بعد ذلك بأذى، وقيل إن نمرود تقرب إلى رب إبراهيم بذبح أربعة آلاف بقرة، غير أن إبراهيم قال له: "إن الله لا يقبل منك ما دُمت تُشرِك به"، ولكن النمرود لم يفارق دين قومه خوفًا على ملكه من الزوال، ولو آمن لصار إلى ملك عظيم لا يزول، ولكن من يضلل الله فلا هادي له.
ثم إن إبراهيم لَمَّا خرج من النار هاجر أرض قومه هو وابن أخيه لوط الذي آمن به وزوجه سارة، هاجروا أرض العراق بإذن ربهم إلى أرض الشام التي بارك الله فيها بخصوبة التربة، وجودة الثمار ووفرتها كما بارك فيها بالنبوات.
﴿وَنَجَّينَاهُ وَلُوطًا اِلَى الاَرضِ التِي بَارَكنَا فِيهَا لِلعَالَمِينَ﴾
يقول الله ـ تَبَارك وتعالَى ـ: ﴿وَنَجَّينَاهُ وَلُوطًا﴾ من العذاب الذي أصبنا به قومه من بعده، رُوِيَ: "أن الله أهلكهم بالبعوض وأبادهم به"، وهذا مكر من الله بهم فقد كانوا يعتدُّون بقوة ملكهم وصلابة أبدانهم، فأهلكهم الله بأضعف شيء فلم يستطيعوا له دفعًا، وساقت العناية الإلهية إبراهيم ومن معه إلى الأرض المباركة وهي أرض الشام، وقد استقر إبراهيم بعد في: "بيت المقدس"، كما استقر لوط في: "سدوم" وبينهما مسيرة يوم وليلة، وقد بارك الله تعالى في أرض الشام بخصوبة تربتها وجودة ثمارها، ورخاء العيش، ثم بارك فيها للعالمين بإرسال أكثر الرسل والأنبياء هداة البشر منها، ثم قال تعالى:
{