مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٤٢٨واذكر يا مُحَمَّد أخويك داود وسليمان حين حكما في الحرث قيل: إنه كان الحرث أشجار عنب نفشت فيه غنم القوم، والنفشُ: هو انتشار الغنم في حرث، ترعى في الليل ولا راعي لها أفسدت الحرث، فلما أصبح الصباح جاء صاحب الحرث إلى نبي الله داود ـ عليه السلام ـ يشتكي ما صنعت المواشي في حرثه، وبعد التثبت والفهم حكم النبي داود بالغنم لصاحب الحرث مقابل ما أفسدت فيه؛ لأنه قَوَّمَ الفسادَ وقَوَّمَ الغنم فوجدهما سواء، فحكم بها لصاحب العنب، وهو حكم عدل لا جور فيه، ولكن أصحاب الغنم مروا على سيدنا سليمان ـ عليه السلام ـ، فعرضوا عليه أمرهم، فظهر له ـ في القضية ـ رأي غير رأي أبيه، فقال لو كنت مكان أبي لحكمت بحكم آخر، فارتفع الأمر إلى داود فدعا الخصمين وسأل سليمان عن رأيه في القضية، فوجده صوابًا واستحسنه وحكم به، وهو أرفق بهما.
حكم سليمان أن تبقى الغنم تحت تصرف صاحب الحرث يستغلها حتى ينجبر الحرث ويؤتي ثمره، ويكون الحرث تحت مسؤولية صاحب الغنم يسقيه ويقوم عليه فإذا حضر نفعه وزال نقصه ردَّه إلى صاحبه، وهو حكم أعدل، فيه دقة الفهم؛ لأن فيه مقابلة الفروع بالفروع والمحافظة على الأصول، فما دام أصل الحرث باقيًا، وإنما فسدت الغلة، فليكن أصل الغنم باقيًا لصاحبه، ولتكن غلة الغنم لصاحب الحرث مقابل غلته الضائعة، حتى إذا صلح حرثه وحضرت غلته ردَّ الغنم على أصحابه، وهذا معنى قوله تعالى:
﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ _اتَيْنَا حُكمًا وَعِلمًا﴾
فقد فتح الله لسليمان من الفهم ما لَم يكن عند داود، وفيه إشارة إلى أن العلم والفهم ليس وقفًا على الكبار دون الصغار، بل قد يتجاوز الصغار مبالغ الكبار، وفضل الله يؤتيه من يشاء، وقوله تعالى:
﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِم شَاهِدِينَ﴾