مختصر تفسير الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض "في رحاب القرآن" - سور الكهف ومريم وطه والأنبياء الناصر بن محمد المرموري

مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري

الجزء ١ · صفحة ٤٢٩

أي حاضرين عالِمين، معنى ذلك أن حكمهما كان عدلا وصوابًا، ولم يكن ظلمًا وزورًا؛ لأن الله تعالى لا يشهد الزور، إنما كان حكمُ سليمان أقوم وأدق صوابًا؛ لأن فيه الرفق بالخصمين جميعًا من غير أن يضيع حق المظلوم منهما، ثم قال تعالى:

﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾

سخر الله الجبال تُردِّد التسبيح مع سيدنا داود ـ عليه السلام ـ وكذلك الطيرَ عندما يقرأ الإنجيل ويردد تسابيحه وأذكاره، تجتمع الطير حوله وفوقه أسرابًا تؤوِّب أي ترجِّع التسبيح والذكر معه، وليس ترديد الجبال هو ترجيع الصدى، بل هو ترديد إرادي، مثل ترديد الطير وفي ذلك كرامة لداود ـ عليه السلام ـ ومعجزة من الله ـ تَبَارك وتعالَى ـ ولذلك قال:

﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾

أي: كنا فاعلين لما نشاء ونريد فلا تسبعدوا الأمر ولا تشكوا فيه، فإن الله فعَّال لما يريد، على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء، ثم قال تعالى:

﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنعَةَ لَبُوسٍ لَّكُم لِيُحصِنَكُم مِن بَأْسِكُم فَهَلَ اَنتُمْ شَاكِرُونَ﴾

أي: علمنا عبدنا داود صنعة لَبُوسِ الحرب؛ ﴿لِيُحصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ﴾، أي من الضرب والطعن، وذلك بإتقان صُنعِهِ وتقدير سرد حلقات الدروع نعمةً من الله، أَلاَنَ الله له الحديد وعلمه هذه الصناعة ليقتات بصنعة يده، وأفضل ما أكل المرء ما كان من كسب يده، فهل أنتم يا آل داود شاكرون لله هذه النعمة العظمى التي حفظت أجسادكم من ضربات السيوف وطعنات الرماح؟ والاستفهام هنا يقصد به الأمر والإلزام، وفيه استنهاض الهمم للقيام بواجب الشكر، وأن ذلك من شأن العقلاء ذوي الأخلاق الحسنة.

﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجرِي بِأَمرِهِ إِلَى الاَرضِ التِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيءٍ عَالِمِينَ وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَّغُوصُونَ لَهُ وَيَعمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُم حَافِظِينَ﴾

٤٢٩ / ٤٥٣