مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٤٣وكذلك من آيات الله العجيبة بعثُهم من نومهم على هيئتهم الأولى من الصحة والنضارة والشباب بعد هذه القرون المتعددة، لم ينل الدهر منهم شيئًا، فذلك من آيات الله، وحكمة هذا البعث أن يشعروا بلُطَف الله بهم واستجابته لدعائهم وليزدادوا إيمانًا على إيمانهم بعد أن يعرفوا قدرة ربهم وعنايته بهم في إنامتهم هذه المدة الطويلة وبَعثِهم منها فيزدادوا يقينًا بالبعث، وكذلك يثبِّت الله الذِّينَ آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، كما طَمأَنَ قَبلهم قلب خليله إبراهيم في قضية البعث بعد الموت، والقصة مشهورة وهي في سُورَة البقرة، فالقصد من هذا البعث الأول إذن هو التذكير بالبعث الآخر، ليتساءلوا بينهم، ثم تنكشف لهم الحقيقة بعد التساءل.
استيقظُوا من نومهم قُبيل غروب الشمس وكانوا قد ناموا في صدر النهار فشعروا بالراحة فظنوا أنهم ناموا أكثر من يوم وقال بعضهم: ﴿بَعضَ يَومٍ﴾ أي من الصباح إلى المساء، غير أنهم لم يطمئنوا لهذا القول وبقوا حائرين في أمرهم لا يدرُون الحقيقة، ولن يتركهم الله في هذه الحيرة، بل سيكشف لهم جلية أمرهم.
فأرسلوا واحدًا منهم إلى المدينة ليشتري لهم طعامًا وأَوصَوهُ أن يتلطَّف ولا يشعرن بهم أحدًا من الناس ظنًا منهم أن أهل المدينة هم الذِّينَ تركوهم في غلبة وقهر من الكفر فخافوا إن هم ظهروا عليهم ـ أي كشفوا على أمرهم ـ سيَرجُموهم أو يعيدوهم في ملتهم، أي في ملة الكفر بالإكراه والفتنة، ولا يَأمَنُونَ على أنفسهم الفتنة، فإنهم إن يفتنوا على دينهم لن يفلحوا أبدًا، والذي خافوه من العودة في الكفر أعظم من الذي خافوه من الرجم والقتل، فإنهم علَّقوا الخسران الدائم وعدم الفلاح على الثاني لا على الأول، وما دروا أن الله قد هيَّأ لهم من أمرهم مرفقًا كما هيأ لهم من أمرهم رشدًا.