مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٤٤بعثوا أحدهم بدارهم فضية من بعض ما احتفظوا به لِقُوتهم، وأمروه أن يقتصد ويلتمس لهم من أزكى الطعام ومن أبركه وأرخصه وأطهره؛ لأنهم عهدوا أن أهل مدينتهم يذبحون لأصنامهم وقد علموا أن ما ذبح عليها حرام في شريعة الله التي آمنوا بها، أرسلوه وأوصوه أن يبالغ في التلطُّف.
فذهب إلى المدينة فإذا الناس غير الناس الذِّينَ تركهم تغيرت الوجوه وتغيرت كثير من المعالم حتى ظن أنه ضل طريقة، فسأل عن اسم المدينة فإذا هو "أفسوس"لم يتغير فاستغرب أمرهم فسأل عن الملك فإذا هو اسم جديد ويسأل عن اسم الملك المعهود فاستغرب الناس وقالوا ذلك ملك مضى، ومضى زمانه، وطَوَتهُ القرون فلم يبق له أثر فإذا ملكهم مؤمن، ثم إنه قصد السوق ليشتري الطعام، فلما ناولهم دارهمه قالوا هذه دراهم مضى زمانها فلم يعد لها وجود، فاجتمع عليه الناس وكثر التساؤل، وظنوا أنه اكتشف كنزا قديما فاشتد طمعهم أن يقفوا على هذا الكنز، وبعد المحاوله ارتفع أمره إلى أهل السلطة فأقبلوا عليه يسألونه عن جلية أمره فأخبرهم وقد اطمأن على نفسه لما وجد أكثرهم مؤمنين ويحكمهم ملك مؤمن.
وقد كثر الجدل في زمانه في أمر البعث فاعتزلهم الملك ولبس مسوح العبادة، فرغب إلى الله أن يثبّته ويعنيه عليهم، فأرسل الله له هذا الشخص من أهل الكَهف الذِّينَ كثر فيهم الجدل ليظهر الله له على يده أمر البعث وتظهر آية الله في نوم هؤلاء الناس قرونا عديدة ثم يبعثون على حالتهم الأولى، ليدُل نومهم وبعثهم على قدرة الله.
وأمر عجيب كهذا الأمر، يدل على صدق أخبار الرسل، وإذا ظهر أمر الله في جماعة دل تحققُّهُ في جميع الناس، وبَعثٌ في الدنيا مِثل هذا البعث، يدل على البعث الآخر بعد الموت، والله على كل شيء قدير.
﴿وَكَذَلِكَ أَعثَرنَا عَلَيهِم لِيَعلَمُوا أَنَّ وَعدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لاَ رَيبَ فِيهَا﴾