مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٤٣٢وَاذْكُر عَبْدَنَا أَيُّوبَ} (ص:41)، حين نادى ربه وتضرع إليه ودعاه يشكو إليه ما أصابه من ضر في نفسه وأهله وماله، ولم يبق له من اهله إلاَّ امرأته، أبقاها الله له لتخدمه صيانة له عن كشف حاله لغيرها من الناس، وكذلك يصون الله أنبياءه ويستر عليهم، ابتلى الله عبده سيدنا أيوب ـ عليه السلام ـ بأشد أنواع البلايا في نفسه وأهله وماله فصبر لبلاء الله، وكشفت محنة الله إياه عن عنصر طيب، ومعدن خالص وقلب منيب، ونفس مطمئنة صابرة لبلاء الله راضية بقضائه غير ساخطة ولا جازعة، فكان سيدنا أيوب ـ عليه السلام ـ إمامًا للصابرين، وقد صبر في البلاء، قيل: "مدة ثماني عشرة سنة"، وعن قتادة: "ثلاث عشرة"، أصابه الله في ماله فذهب كلُّه، وكان ذا مال كثير وثروة متنوعة من حرث وأنعام وجنات، وأصابه في أهله وكان له أولاد كثيرون، قيل: "عشرون ولدًا"، فانهدم عليهم البنيان فماتوا كلهم، وأصابه بالمرض في بدنه فلازمه حتى بقي في بلائه معزلا عن الناس وحيدًا، جفاه كل الناس حتى أصدقاؤه ولَم يبق أحد يتردد عليه إلاَّ المرأة المؤمنة المخلصة "رحْمة" ـ عليها السلام ـ، وقد ابتلاه الله بهذه الأنواع من البلايا؛ ليرغم به الشيطان وليجعله مثلا أعلى يقيم به الحجة على المبتلين، فمن اقتدى به في الصبر فاز بالثواب، ومن لَم يصبر فلا عذر له.
ورُوِيَ أن الله أقام الحجة بأربعة من عباده الأنبياء على أربعة أصناف من الناس، أقام الحجة بسيدنا سليمان على الأغنياء ليشكروا كما شكر، وأقام الحجة على المبتلين بسيدنا أيوب ليصبروا كما صبر، وأقام الحجة على الفقراء بسيدنا عيسى ـ عليه السلام ـ ليصبروا على الفقر، ويحسنوا التوكل على الله، وأقام الحجة على الموالي بسيدنا يوسف ـ عليه السلام ـ ليحسنوا عبادة ربهم وخدمة مواليهم.