مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٤٣٥ذكر الله في هاتين الآيتين قصة سيدنا يونس بن متَّى ـ عليه السلام ـ موجزة، كما تقتضي حكمته أن يطوي قصص بعض أنبيائه في آيات من كتابه ويبسطها في أخرى، وقد يذكر في موضع ما لَم يذكره في موضع آخر، وباستقراء تلك المواضع تكتمل الصورة التي أراد الله تعالى إظهارها وهنا يقول: واذكر يا مُحَمَّد ذا النون حين ذهب مغاضبًا لقومه ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقدِرَ عَلَيهِ﴾، أي ظن أن لن نضيق عليه وهو من القدر لا من القدرة، وذو النون هو يونس لقبه الله بهذا اللقب لشأنه مع الحوت الذي يسمى النون كما سماه صاحب الحوت في موضع آخر، وذلك أن نبِي الله يونس غضب من قومه حين دعاهم ودعاهم، فلم يستجيبوا له، وأنذرهم عذاب الله فتماروا بالنذر فهرب وتركهم قبل أن يأذن الله له، فصار بذلك آبقًا ومُليمًا، أي فاعلا ما يلام به، فابتلاه الله بالتقام الحوت إياه، فلما صار في بطن الحوت علِمَ أن ذلك عقوبة من الله له على تسرعه في الهروب من قومه، فنادى في الظلمات ظلمة الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل، نادى متضرعًا إلى ربِّه
﴿أَن لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾
اعترف لربه أنه ظلم نفسه، فأصبح من جملة الظالمين وقدم بين يدي ندائه كلمة التوحيد، وهي أفضل ما قاله النبيون من قبله ومن بعده، وذلك هو التوسُّل الذي ينبغي أن يتوسل به المتوسلون، سبح الله: أي نزهَّه عن الظلم، فسمعت نداءه الملائكة فشفعت له عند الله فقبل الله شفاعتهم فيه؛ لأنه عرف الله في الرخاء فعرفه في الشدة، لقد كان تسبيحه مألوفًا عند ملائكة الله، فضجت له بالدعاء إلى الله تقول: "اللهم إن هذا صوت معلوم من مكان مجهول، اللهم ارحم عبدك يونس"، سمع الله تسبيحه ودعاءه ففرج عنه، قال تعالى
:
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُومِنِينَ﴾