مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٤٣٧أي: لا تتركني فردًا وحيدًا وأنت خير الوارثين، أي وأنت خير الباقين، لك البقاء وحدك ولك ميراث السماوات والأرض، قال: يا ربِّ لا تذرني فردًا وحيدًا، وهبْ لِي من لدنك وَلِيًّا يرثني ويرث من آل يعقوب، واجعله رب رضيًا ترضى أخلاقه وسجاياه، ولم يقصد زَكَرِيَّاء بالميراث ميراث المال؛ لأن الأنبياء لا يورثون، ولا يهتمون بالمال ومن يرثه؛ لكنَّه يقصد ميراث النبُوَّة والحكمة والقيام بالتوراة وعلى أمور بيت المقدس وقد خاف عليها من الضياع، فطلب من الله ولدًا صالِحًا فاستجاب الله نداءه، ووهب له يحيَى النبي الصالح السيد الحصور البَرُّ التقي الرضي، وأصلح الله لزَكَرِيَّاء زوجه العاقر العجوز فجعلها تحمل وتلد بإذن الله.
ورُوِيَ عن ابن عباس: أن عُمُر زَكَرِيَّاء يومئذ كان مائة سنة، وعُمُر زوجه تسعًا وتسعين، فتحققت فيها معجزة الله، فرزق منها ولدًا سماه الله يَحيَى لَم يُجعل له من قبل سميا، فكان خير خلف لخير سلف، قام بالأمر بعد أبيه أحسن قيام، قال الله تعالى:
﴿إِنَّهُم كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾
أي: إن كلا من زَكَرِيَّاء وأهله وولده، وقيل إن كلا من المذكورين في هذه السُورَة من الأنبياء كانوا يسارعون في فعل الخيرات، ويدعون ربهم رغبة في رضاه ورحمته، ورهبة من سخطه ونقمته وعذابه، وكانوا لله خاشعين متذللين مُخبِتِين، وفي ذكر هذه ألأوصاف إيذان بأنها هي العلة التي استجاب الله بها لزَكَرِيَّاء ـ عليه السلام ـ، فهي عبرة لأولى الألباب حتى يتمسكوا بها ويقتدوا بالصالحين من عباد الله، إن رغبوا أن تكون دعواتهم مستجابة وعملهم مقبولا.
﴿وَالتِي أَحصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا ءَايَةً لِلعَالَمِينَ﴾