مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٤٤٧أي لهؤلاء الكفار زفير في العذاب، يخرج من أجوافهم لشدة اغتمامهم وحزنهم وحسراتهم، ولا يعلم إلاَّ الله مبلغ ما يلتهب في أجوافهم من حرِّ الندم والحسرات، وهذا ما يدل عليه التعبير بالزفير، ﴿وَهُم فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ﴾ أصمَّهم الله كما تصامَموا في الدنيا عن سماع الحق، وهم في النار عُميٌ كما كانوا في الدنيا عمين عن رؤيته، وقد جزاهم الله جزاءً وفاقًا، والجزاء يكون من جنس العمل، والعذاب يشتد إذا كان المعذَّب لا يرى من أين يأتيه العذاب ولا يسمع، وقد يرد الله إليهم السمع في فترة المحاورة، أو عند نداء أهل الجنة إياهم، وعند جواب خَزَنَة جهنَّم لَهم ليسمعوا ما يزيدهم خزيًا وإبلاسًا وعذابًا، ثم يرجعون إلى حالتهم، ونعوذ بالله من مصير أهل الشقاء.
﴿إِنَّ الذِّينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنهَا مُبعَدُونَ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُم فِيمَا اشْتَهَتَ اَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ لاَ يَحزُنُهُمُ الفَزَعُ الاَكبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ هَذَا يَومُكُمُ الذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾
بعد عرض مصير أهل الشقاوة، يأتي الكلام على أهل السعادة على طريقة القرآن، يزاوج الوعد والوعيد ليكون ذلك أوقع في نفوس السامعين وأبلغ في موعظتهم، يقول الله ـ تَبَارك وتعالَى ـ:
﴿إِنَّ الذِّينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبعَدُونَ﴾
الضمير في "عنها"، لِجهنم، أي إن الذِّينَ سبقت لهم من ربهم الكلمة الحسنى أنهم السعداء، أولئك مبعدون عن النار لا يصلونها ولا يسمعون حَسَّها وزفيرها، وقوله تعالى: ﴿سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى﴾ فيه أن بداية الأمور من الله فهم موفقون لِما قدَّر الله لهم من البر والإحسان، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وعلى الإنسان أن يعمل ولا يغتَرَّ، فكلٌّ مُيَسَّر لِما خُلِق له، كما جاء في الحديث الشريف، وقوله تعالى
:
﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبعَدُونَ﴾