مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٤٨فلا تجادل في أحوال أصحاب الكَهف إلاَّ جِدَالاً ظاهرًا، إلا لحاجة فيه، ولا تستفت فيهم من أهل الكتاب أحدًا إنهم لا يعلمون تفاصيل أمرهم، وقد علَّمك الله من أمرهم ما تقيم عليهم به الحجة، وتجلي به العبرة، وفي ذلك ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، أما القول فيهم بغير علم فهو رجم بالغيب، شبَّهه الله بالرجم، ورَميُ الشيء بالغيب وهو لا يراه يذهب طائشًا لا يصيب الغرض، فما أبين هذا التشبيه وما أدلَّه على المقصود، وفيه تقبيح لكل كلام بغير علم، ﴿وَلاَ تَقفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلمٌ﴾ (الإسراء:36)، ثم إن الله علَّم نبيّه وكل من يقتدي به إلى كلمة هي من حسن الأدب مع الله عالم الغيب والشهادة مُقدِّر الأمور بمقاديرها ومواقيتها، فقال جل من قائل:
﴿وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيءٍ اِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) اِلاَّ أَن يَّشَاءُ اللهُ وَاذكُر رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُل عَسَى أَن يَّهدِيَنِ رَبِّي لِأَقرَبَ مِن هَذَا رَشَدًا (24)﴾.
إرشادات وتوجيهات من الله العليم الحكيم تأتي في نواهٍ وأوامر حكيمة يوجهها الله تعالى إلى نبيّه ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ ولكل قارئ للقرآن من أمته، هي الهداية لهم وهي التي توجب لهم من الله الرحمة وحسن العواقب في الدنيا والآخرة.
جاء هذا النهي مؤكَّدًا بنون التوكيد الثقيلة لأهميته وتأكد الأخذ به؛ ذلك لأن عواقب الأمور كلُّها بيد الله تعالى، والمخلوق لا يملك منها شيئًا ولو كان نَبِيًّا من أنبيائه، وهو أولى الناس أن يتأدب مع الله فلا يقول لشيء أراد أن يفعله غدًا أو بعد حين إني فاعل ذلك إلاَّ أن يشاء الله فيعلق الأمر بمشيئته تعالى إيمانًا ويقينًا أنَّ ما شاء الله كان، وما لَم يشأ لَم يكن، فعلم أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء عِلمًا .. وهكذا يُؤدِّبُنا ربُّنا تعالى، ويُعلِّمنا ما ينفعنا ويحسن عواقبنا في الدنيا والآخرة.
{