مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٥١وللفقهاء في تأويل هذه الآية نظر فيما يتعلق بالأحكام فقال بعضهم في معنى: ﴿وَاذكُر رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾، أي إذا نسيت الصلاة فصل إذا ذكرت وهذا وإن كان معناه صوابًا، غير أن الآية لا يقتصر معناها على هذا الحكم الذي عرف من الحديث النبوي الصحيح: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها أنَّى ذكرها"، وقال آخرون إن في الآية حكمًا للاستثناء المنقطع المتأخر في الأيمان إلى عام وإلى ما بعد عام، وعزوا هذا القول إلى ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ فقالوا: "إذا حلفت على أمر ونسيت أن تستثني في أثناء قسمك، فاستثن إذا ذكرت وينفعك الاستثناء إذا قلت إن شاء الله، ولو بعد مدة طويلة، فلا يلزمك الحنث ولا الكفارة"، وهذا التأويل بعيد يأباه المحققون من الفقهاء إذ لو كان الأمر كذلك ما لزمت أحدًا كفارة يمين بل كان يستثني في أي وقت تذكر، كيف وقد شرع الله في كتابه الكريم كفارة الأيمان وفصَّلها تفصيلا كما أرشده عبده "أيوب"إلى التحلل من قسمه على أن يضرب امرأته مائة سوط إن شُفي من مرضه، فلما شفاه الله أفتاه الله بما يبره في قسمه فقال ﴿وخذ بيدك ضغثًا فاضرب به ولا تحنث﴾ (ص:44).
أمره الله أن يأخذ مائة سوط حزمة واحدة فيضرب بها امرأته حتى لا يحنث في قسمه ولو كان الاستثناء المتأخر ينفع لأرشده إليه، ثم إن النبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ يقول: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفِّر عن يَمينه، ولَيأت الذي هو خير"،فظهر بما تقدم بطلان قولهم إذ لو كان صحيحًا لَقَال ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ: "فليستثن"،ولَم يأمرنا بالتكفِير الذي فيه التكليف والمشقة، والتيسير أحب شيء إلى نبيِّ الرحمة ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ.