مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٦٢إِنَّ الذِّينَ آمَنُوا وَّعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}، تبتدئ الآية بـ: "إنّ واسمها"، فأين خبرها؟ يقول بعض المفسرين إن خبرها أولئك وما بعدها، فهو إخبار عن حال الذِّينَ آمنوا وصدقوا إيمانهم بالعمل الصالح، إنهم مُنعَّمون في جنات عدن بما ذكر من النعيم جزاءً بما كانوا يعملون، ويقول البعضُ الآخر: "إن خبرها ما يليها"، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجرَ مَن اَحسَنَ عَمَلاً﴾، أي أن الله لا يُضيع أجرَهم، وسيجزيهم الجزاء الأوفى، ويزيدُهم من فضله، وأظهر مكان الإضمار هنا؛ ليبيّن أن الذي استحقوه من الجزاء الأوفى إنما هو إحسانهم في الأعمال، ﴿هل جزاء الإحسان إلاّ الإحسان﴾ (الرحمن:60)، إن الله بَرٌّ رحيم، لا يضيع أجر من أحسن عملا، ولو كان حقيرًا؛ لأن الأعمال بالنيات، وربما ينساه عامله لقلته وحقارته، ولكن الله يحصيه له ولا ينساه، وعلى كلا التفسيرين فالمعنى صحيح، والتصريح باسم الإشارة ﴿أُولَئِكَ﴾؛ للعناية بهم وتكريمهم ورفع مقامهم، فهم في جنَّات لا في جنة واحدة، جناتٍ كثيرة، يتنقلون بين ظلالها وقصورها وأنهارها التي تجري دائمًا ولا تنقطع، وجري الأنهار ضمان لحياة الأشجار وزينة ومتعة للناظرين، ولا يعرف الناس منتزهًا أحلى من ضفاف الأنهار، وهناك تبنى قصور الملوك والمترفين من أهل النعيم، ونعيم الآخرة أعظم وأبقى.
ثم يعرض لنا لونًا آخر من ألوان النعيم في الجنة، وهو ما يحلون به من أنواع الحلي والحلل، فهم يُحلَّون فيها من أساور من ذهبٍ، وقد اعتاد ملوك الدنيا وأُمراؤها أن يحلُّوا أنفسهم بأَسْوِرَة الذهب، وقديمًا فخر عدو الله فرعون على نبي الله موسى بهذا النوع من الزينة فقال: ﴿لولا ألقي عليه أساورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين﴾ (الزخرف:53).