مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٦٨راح يقول هذه الكلمات في صلف وتيه وإعجاب بأمر دنياه، مُعرِضًا عن نُصح أخيه وصاحبه، غير خاشٍ عاقبة الكفر والطغيان، ولا متعظ بتقلبات الزمان، فهو مطمئن إلى جنتيه متوكل على نهره الجاري خلالهما لا على خالقه وخالقهما، ومفجر الماء خلالهما ولا يتوقع لمصيره يوم القيامة الذي أصبح يشك فيه أن يكون مثل ما هو فيه من النعيم أو أوفر، وهو شعور أمثاله من الطغاة في كل زمان، وما أبعده عن الصواب، ويعجز عن طلبه حين يذهب كل شيء ويبقى فقيرًا.
﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرتَ بِالذِّي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً (37) لَكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي وَلاَ أُشرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38) وَلَولاَ إِذْ دَخَلتَ جَنَّتَكَ قُلتَ مَا شَاءَ اللهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ إِنْ تَرَنِ أَنَآ أَقَلُّ مِنكَ مَالاً وَّوَلَدًا (39) فَعَسَى رَبِّي أَن يُّوتِيَنِ خَيرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرسِلَ عَلَيهَا حُسبَانًا مِّنَ السَّمَاءِ فَتُصبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40) اَو يُصبِحَ مَاؤُهَا غَورًا فَلَن تَستَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (41)﴾
ظلم نفسه بالركون إلى الدنيا وفتنتها والإعراض عن الله وكفر نعمته، فذكره صاحبه بأصل خِلقَتِه الأولى وبخالقه، قال له: "أَكَفَرتَ بربِّك الذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلاً؟، كلُّنا مخلوقون من تراب، وهو المادة التي خلق منها أصلنا الأول، ومن التراب غذاؤنا ثم من نطفة وهي المادة التي منها خلق كل واحد منا، ثم تطورت من طور إلى طور حتى سوانا ربنا ـ تَبَارك وتعالَى ـ رجالاً، كيف نكفر بهذا الخالق العليم؟، إن هذا لظلمٌ عظيم، وَعَظَه صاحبُه وحذَّره من عاقبة هذا الكفر والطغيان ويبدو أنه لَم يقبل منه وَعْظَه، شأن المتكبرين ولذلك ردَّ عليه قائلا:
﴿لَكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي وَلاَ أُشرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾.