مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٧١جاء أمر الله بعد أيام معدودة، وأمره لابد واقع، فهلكت الجنتان وهلك كل ما فيهما من ثمار كما تدل صيغة الجمع، ويبدو أن الهلاك جاء والأشجار محمَّلةٌ بغلالها حتى يكون وقعهُ أشدَّ على من كفر بنعمة الله وأعرض عن الناصحين، هلك كل شيء، وغار الماء، وقُضِيَ الأمر، فأصبح الرجل المغتر بدنياه يُقلِّب كفَّيه أسفًا وندمًا وحسرة على ما أنفق فيها من الأموال الكثيرة الوافرة، فهي اليوم ذاهبة ولا أثر لها، لا يملك من أمرها إلاَّ الندم والحسرات، وتقليب الكفين إشارة إلى كل ذلك، فهي عبارة اِعتاد العربُ استعمالَها لتدُلَّ على الندم العميق مع العجز الكامل عن طلب التالف أو استدراك بعضه، ذهب كل شيء، وفات كل شيء، وانهارت الآمال، وبارت الأموال، فالجنة خاوية على عروشها، كل شيء فيها يدل على الخراب، حتى الأعمدة التي كانت منصوبة للأشجار المعروشة هي الآن ساقطة، يا لَهَولِ المنظر ويا لَعِظَم الكارثة، وقف الرجل يُقلِّب كفَّيه ويقول:
﴿يَا لَيتَنِي لَمُ اشرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾
ولم تكن منه هذه العبارة ندمًا على شركه بربِّه وما أدركه التوفيق بعد، إنما هي تعبيرٌ منه على النَّدم على تلف ماله، ندم على الشرك الذي كان سببًا في هلاك جنتيه وذهاب غناه فلو لَم يتلف المال ما كان يتحوَّل عن شركه، فندمه هذا صورة للإيمان الذي لا ينفع يوم يأتي بعض آيات ربك، هذا هو المعنى المتبادر من موقفه هذا، وأبواب ربِّك مفتَّحة بعدُ لو أراد الرجوع إلى الله، ولعلَّه يرجع فتُقبَل توبته والفرصة لَم تفت.