مختصر تفسير الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض "في رحاب القرآن" - سور الكهف ومريم وطه والأنبياء الناصر بن محمد المرموري

مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري

الجزء ١ · صفحة ٧٤

مضى لنا منذ أول السُورَة جولات في الذِّينَ غرتهم هذه الحياة الدنيا، أول ذلك: ملِك أصحاب الكَهف الذي تكبر بما ناله من عز المُلك وإقبال الأيام، فطغى وكفر بالله ودعا الناس إلى عبادته، وبطش بالذِّينَ عبدوا الله وحده، ثم جاء بعد ذلك أمر الله لنبيّه أن يصبِّر نفسه مع فقراء المسلمين الذِّينَ يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، ولا يصرف عنهم بصره ناظرًا إلى زينة الحياة الدنيا، ولا يطيع الذِّينَ أغفل الله قلوبهم عن ذكره لافتتانها بالحياة، فهي مرادهم ومبلغ علمهم فكان أمرهم فرطًا، ثم يضرب لنا مثلا من الرجلين المتجاورين وقد افتتن أحدهما بجنتيه وطغى وظن أن الحياة الدنيا باقية والساعة غير قائمة، وكفر بالله وأعرض عن صاحبه الذي ظل يعظه ويبصره بالحقيقة، ويحذره عواقب الطغيان والكفران، ولكنه لَم يتعظ فكان من أمره ما كان من وخيم العواقب، فانتهى بالحسرات والندم، ولات حين مندم، ثم يعقب الله هنا بمثل الحياة الدنيا ومراحلها الثلاث في جمل وجيزة بليغة: ماء ينزل من السماء فيهيج به نبات الأرض ويختلط بعضه ببعض، نجمه وشجره وأعشابه وأزهاره وزروعه، فيصبح بعد مدة قريبة هشيمًا قد اصفرَّ ويبس وفارقته الحياة والنضارة، ثم يتصوح ويصير هشيمًا تذروه الرياح فتبدده وتذهب به في نواحي الأرض فيتلاشى ويفنى، تلك هي عاقبة الحياة الدنيا وقد انطوت كلها في هذه العبارات القليلة الموجزة.

﴿وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ مُّقتَدِرًا﴾

وكان الله على الخلق والإفناء قادر، بل هو على كل شيء قدير، وقد جاء التعبير هنا بهذه الصيغة ﴿مُّقتَدِرًا﴾ ليدل بهذه الحروف الزائدة على زيادة المعنى فهو كامل القدرة شديدها، أحاطت قدرته الجبارة بكل شيء لا يعجزها شيء، سواءٌ عندَه الأمورُ العظيمةُ والحقيرةُ والمخلوقاتُ الكبيرة والصغيرة، ثم يناظر بين حقارة الدنيا وفنائها وشرف الدار الآخرة وبقائها أن العمل لها خيرٌ عاقبةً وثوابًا.

{

٧٤ / ٤٥٣