مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٧٥المَالُ وَالبَنُونَ زِينَةُ الحَيَاةِ الدُّنيَا وَالبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَّخَيرٌ اَمَلاً}
زُيِّن للناس أصناف الأموال، فهم يسعون ورائها ويجمعونها ويكنِزونها ويبخلون بها ويعصون ربهم في جمعها وإمساكها، وهي ذاهبة وهم قبلها ذاهبون، فما هي إلا زينة هذه الحياة الدنيا، ثم تزول ويصير حلالها حسابا وحرامها عقابا، هذا مصير الأموال التي بها يغترون وعليها يقتتلون، وهم كذلك يفتتنون بزينة البنين ويعصون الله من أجلهم، فهم يجمعون الحرام من أجل البنين ويبخلون بما رزقهم الله ولا ينفقونه في حقه، وهذه فتنة الأولاد كما جاء في الأثر: "الولد مبخلة مجهلة مجبنة"،وما هو إلا زينة الحياة الدنيا، وكثيرا ما يكون غصة على والديه وغما ونكدا ونحسا لهما، فليتهما لَم يلداه وليتهما لَم يجمعا له الحرام وليتهما لَم يفتتنا به، وقد قدم الله ذكر الأموال على البنين في الإعجاب بها والافتتان؛ وما ذلك إلا لأن فتنة المال أشد على الإنسان، وميله إليه أكثر، فالمال زينة ولو بدون الولد، أما الولد بدون المال فهو همٌ وغمٌ، لا سيما إن كثروا وقل المال، فيصير أمرهم حينئذ ثقلا وغمًا على والديهم، فالولد زينة مع وجود المال ولذلك قُرن به، والمال زينة على كل حال ولذلك بُدئ به، وما أعجب بلاغة القرآن.
﴿وَالبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَّخَيرٌ اَمَلاً﴾
الباقيات الصالحات هي الأعمال الصالحة بنواياها الخالصة، فلا يبقى شيء من الحياة الدنيا إلاّ ما تتزوّد منها من الحسنات الباقيات التي تبقى معك وتدخل معك القبر حين يذهب كل شيء، يذهب المال عند خروج روحك، ويذهب البنون والأهلون والأحبة حين يوسّدونك التراب في القبر وتبقى الأعمال، فيا طوباك إن كانت صالحة.