مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٨٢ويستشكل بعض المفسرين الأمر فيقولون: ما دام أمر السجود موجهًا للملائكة، فكيف يطالب به إبليس إذا كان من الجن، فيقول بعضهم: "إن الجن المذكور هنا نوع من الملائكة"، ويستدلون لقولهم بقول الله ـ تَبَارك وتعالَى ـ في سُورَة الصافات: ﴿وجعلوا بينه وبين الجِنَّةِ نَسَبًا ولقد علمت الجِنَّة إنهم لمحضرون﴾ (الصافات:158)، والجِنَّة هنا باتفاق المفسرين هم الملائكة وسموا جِنَّة؛ لاجتنانهم، أي استتارهم عن أبصار الناس، ويرد على هذا القول أن إبليس نسب الله له الذرية، والملائكة لا يتوالدون فإبليس إذن من جنس الجن الذِّينَ يتوالدون كالإنس، والجواب عن الإشكال الذي تقدم أن الخطاب موجه إليهم جميعًا وما دام إبليس معهم فيدخل في الخطاب، أو يكون قد وجه إليه خطاب خاص، ولولا أنه فهم يقينًا أنه داخل في الخطاب لتخلَّص من الأمر بجواب آخر يكون له عذرًا يخلصه من العقاب، فلا معنى لإشكالهم هنا، والمعنى واضح فإبليس إذن فسق عن أمر ربه وعصى متعمدًا ومنعه من السجود الكبر والحسد لا غير.
﴿قال آسجُد لمن خلقت طينا﴾ (الإسراء:61) قال كيف أسجد لمن خلقته من طين وأنا خير منه خلقتني من نار، تكبر على أمر ربه، واحتقر آدم وحسده على هذا الشرف الذي أراده له ولذريته الذِّينَ سيكون منهم أنبياء الله ورسله وأولياؤه، فهو منذ ذلك اليوم يعلنها عداوة صريحة لآدم وبنيه، وأنه سيسعى جاهدًا في إغوائهم، فنبهنا الله وحذرنا من هذه العداوة التي لا تزول ونهانا أن نطيعه هو أو أحدًا من ذريته.
﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَولِيَاءَ مِن دُونِي وَهُم لَكُم عَدُوٌ بِيسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً مَّا أَشهَدتُهُم خَلقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرضِ وَلاَ خَلقَ أَنفُسِهِم وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾